رواية البرستيج


البرستيج


 


 


-1-


 


استيقظ فجأة من نومه .. على إحساس بصداع شديد .. يسكن مؤخرة رأسه . ظل فى رقدته لثوان .. مستعذبا إحساسه بالدفء .. وليتبين حقيقة ما يشعر به على وجه التحديد وسببه ... هل الصداع ناتج عن ارتفاع فى ضغط الدم ؟ .. أم ارتفاع في نسبة السكر بالدم ... ظل غير واثق من السبب الحقيقي وراء ما يشعر به من ألم . تقلب في رقدته .. ليكون على ظهره .. ثم ارتفع بجذعه قليلا ليسند رأسه إلى مقدمة السرير .. متكئا على احدى الوسائد الصغيرة التي يحتفظ باثنتين منها دائما بجواره على الفراش لمثل هذه الأغراض . حرك مفتاح الكهرباء بجواره على (( الكوميدينو ))  .. والذى يحتفظ فوقه بجهاز رقمي لقياس ضغط الدم .. وجهاز اخر رقمى لقياس السكر بالدم . وبعض الأدوية التى قد يحتاجها ليلا .. للسكر والضغط والصداع . والذى يعرفها بحكم عمله كصيدلي من ناحية . ولكونه كثير التردد على الأطباء .. لطول مدة مرضه من ناحية أخرى , اصفر جهاز الضغط .. ولف الكيس الجلدي حول ساعده .. ثم ضغط على الكرة الجلدية ليملأه بالهواء . حتى إذا بلغ منتهاه توقف .. انتظر قليلا .. حتى توقف عداد الجهاز عند القياس الفعلي للضغط . وجده مرتفعا . تناول حبة من شريط حبوب الضغط .. ابتلعها مع قليل من الماء . راودته فكرة قياس نسبة السكر . أحضر الجهاز . واستخدم القلم الذي بمقدمته إبرة صغيرة بالضغط على مؤخرة القلم التي تندفع لتحدث جرحا بسيطا في مقدمة اى من أصابعه .فيخرج قليلا من الدم .. يضعه على شريط بالجهاز ليتم قياس نسبة السكر من خلاله . وبعد لحظات قليلة .. أعطى الجهاز رقما تبين منه وجود ارتفاع قليل فى نسبة السكر . تفكر لحظات .. هل ينهض من فراشه ويعطى نفسه جرعة أنسولين من التي يحتفظ بها بالثلاجة. لكن ذلك يتطلب أن يتناول وجبه خفيفة ولكنه لا يجد فى نفسه رغبة في تناول أي طعام . أم يأخذ حبة دواء . إلا أنه في آخر الأمر تحامل على نفسه .. وأعد لنفسه حقنه بها جرعة بسيطة من الأنسولين .. وتعاطاها في فخذه من الأمام . ثم تناول تفاحة وإصبعا من الموز . أخذ يلوكهما في تأن ممل .. فى أثناء ذلك .. تناول الريموت الخاص بالتلفاز .. وأشعله على فيلم أجنبي وأغلق الصوت . وأخذ يتابعه بعدم اكتراث . حتى إذا انتهى من ازدراد ما كان يلوكه. نظر إلى ساعته.فوجدها الثانية بعد منتصف الليل . أخذ يفكر هل يستمر فى يقظته .. أم يلوذ بالنوم . ولما لم يستطع اللحاق بالنوم الذي فر من عينه . قرر أن يستمر فى متابعة الفيلم .انتبه على موقف عاطفى بين البطل والبطلة .


آه .. أين أنا في هذه المواقف العاطفية التي خاصمتها منذ سنين طويلة .,,. من قبل أن يقرر أن تقوم زوجته بنقل عملها إلى العاصمة .. لتكون بجوار أبنائه الثلاثة .. الذين يدرسون فى الجامعات بالعاصمة .


-2-


بعد تخرجه من كلية الصيدلة .. وانتهاء فترة تكليفه بالعمل الحكومي. قرر فتح صيدلية خاصة به . ولعدم توافر المال اللازم لذلك شارك أحد معارفه .. والذي تعرف به أثناء نشاطه السياسي بالحكم المحلى .. حيث كانت له ميول لهذا النشاط منذ أن كان طالبا فى الثانوي. وظل ينتامى اهتمامه بذلك حتى تم اختياره أمينا للشباب للحزب الحاكم فى محافظته . مما أتاح له أن يحقق لنفسه معارف كثيرة ووضعا أشبع به ما كان يعتمل  فى داخله من مشاعر متفردة . وبعد تأثيث الصيدلية .. أخذ فى شراء الأدوية .. فكان يتردد عليه كثير من مندوبي المبيعات للشركات المختلفة . ومنهم آنسة .. شدت كل انتباهه . وبالرغم من العديدات اللاتي كان يعرفهن بحكم نشاطه السياسي . إلا أن هذه بالذات هي التي وجد فيها ما يبحث عنه . جمال باهر .. وأنوثة لا تغفلها عين .. وجسد أنثى ... لا يتوافر إلا فى الممثلات . فهذا ما كان ينشده دائما . الأفضل في كل شيء . وعندما أخذ يتحرى عن أهلها .. لم يجدهم على المستوى الذي كان ينشده .. الأمر الذي جعله يفكر .. بادئ ذى بدء كثيرا . فلم يكن ليتخيل في يوم من الأيام أن يقوم بأي عمل يخرج به عن الصورة التي رسمها لنفسه . ولهذا كان يحترم من جميع من يحتك بهم سواء بالحزب أو خارجه . وقلما توسط أو طلب أمرا يخصه أو أحد أقاربه . فهو أكبر من أن يطلب من أي مسئول أي شيء لنفسه . نعم يطلب منه فيبادر باللازم لكن أن يطلب هو .. فلم يعرف عنه ذلك . وهذا ما ساعده على الصعود بين كوادر الحزب . وطوال فترة تردده في اتخاذ القرار .. كانت الفتاة تتردد عليه فى الصيدلية وتمكث معه بعض الوقت .. تعرض عليه أنواع معينة وتقترح عليه أن يتعامل مع شركات معينه من التي تعرفها .. وهكذا .. أخذ التردد يزداد .. وفترات جلوسهما معا يتحادثان تطول .. الأمر الذي جعل من معه .. ومن يحضر للقائه ويراهما .. يعتقد أن هناك شيئا وراء ذلك . بل وصل الأمر .. أن ترددت شائعات من حولهما .. حتى إن بعض معارفه .. كانوا عندما يلتقون به يسألونه . متى سوف نشرب الشربات ؟! الأمر الذي جعله يتغاضى عن هذا الفارق الاجتماعي البسيط ويبادر بأخذ خطوة إيجابية .. خشية أن تنتشر من حوله الأقاويل؟.. مما سوف يؤثر على الصورة التي رسمها لنفسه . والتي قد يكون لها أثر سلبي على مستقبله السياسي . والمدهش أنه أبدى اقتناعا بما ساقه لنفسه من مبررات .. كان يرفضها من قبل . وتم له ما أراد وتزوج منها .. وعندما حملت بطفلهما الأول طلب منها أن تستقر فى عمل إداري بالشركة التي تعمل بها حتى يمكنها رعاية الطفل ، من ناحية.. ومن ناحية أخرى .. يصبح لتواجدها بالمنزل مواعيد ثابتة .. تساعد على استقرارهما معا .


-3-


ينتمي حسام إلى أسرة متوسطة الحال . والده عمل بتجارة الأدوات المنزلية حقا لم يحقق من تجارته لأسرته الثراء والمعيشة التي كان يتمناها .. إلا أنها والحمد لله مستورة على حد قوله . ويكفى أنه تمكن من تربية ولديه وابنته التربية التي كان يتمناها لأولاده وعلمهم أحسن تعليم . فحسام تخرج صيدليا وفتح لنفسه صيدلية دون الاستعانة بأية معونة من والده وحاتم تخرج من كلية الهندسة وعمل بإحدى شركات القطاع العام للمقاولات .. والمستقبل أمامه طويل .. وكان دخله منها طيبا حتى إنه زوج نفسه من ابنة الجيران وبدون الاستعانة بأى مدد من والده .. هو الآخر .. أما حنان والتي كانت آخر العنقود فتخرجت من هندسة زراعية وعملت بإحدى الشركات العامة التي تعمل في تجارة الأقطان . وتقدم لوالدها أحد معارف أخيها حسام .. مما حدى بالوالد أن يسأله عن صديقه . فما كان من حسام إلا أن أبدى اندهاشاً شديدا من تقدم صابر لوالده دون أن يخبره بذلك أو يحادثه فى الأمر قبل أن يتقدم لوالده .. فطلب من والده أن يتمهل حتى يتحرى عنه جيدا . فلما طال الوقت دون أن يأتى حسام والده بما لديه من معلومات عن العريس . وكادت المهلة التى أعطاها له أن تنتهى .. ويجب عليه أن يحدد موقفه وخاصة أنه يعرف تمام المعرفة أنه صديق ابنه وكان كثير التردد عليه بالمنزل مع علمه تمام العلم بأن ابنه لا يسمح لأحد بالتردد عليه بالمنزل إلا إذا كان قريبا جدا منه . تضايق من حسام وسأله يوما .


- يعنى لم تخبرني عما لديك من معلومات عن عريس أختك ؟!


- لا .. مفيش .. بس أنا لسه بسأل عليه .


- هو أنت هاتقعد تسأل عليه طول عمرك .


 وبدا عليه عدم الإرتياح من رد ابنه


- عموما .. أختك موافقة عليه .. وأنا موافق ومش عايزين منك أى معلومات .وسوف أحدد له ميعادا الخميس القادم للحضور لإتمام الاتفاق .. سواء وافقت أنت أم لم توافق . المهم عندي موافقة البنت .


- خلاص يا بابا .. اللي تشوفه حضرتك .


 وعند ذلك تدخلت زوجته .. التى تكن لحسام مشاعر متميزة .. عن باقي أخوته . معلله ذلك دائما بأنه ابنها البكر ... وأول سعدها . في حين يتضايق من ذلك كثيرا باقي أفراد الأسرة وأولهم الوالد .


- خلاص .. يا أخويا .. أنت هاتكبر الموضوع ليه ؟!


- أنا ما بكبرش الموضوع .. بس أنا عايز أعرف أبنك بيعمل كدا ليه . هو يعنى لسه ها يسأل على صديقه اللى بقاله عمر معاشره ؟! ولا فى الأمور أمور إذا كان يعيبه حاجه يقول لنا . إذا كان مافيش ما يعيبه ليه ما بيقولش على طول .


ـ خلاص ياأخويا أنت مسن قلت هاتحدد له ميعاد .. على بركة الله . وقامت الى ابنها الذى خرج من حجرة الوالد الى حجرته وأغلق الباب خلفه .. تطيب خاطره


ـ يا بنى ما تزعلش من أبوك .. أصله شايف الواد مناسب .. وعايز يستر أختك


ـ طب هو أنا قلت حاجة ؟!


ـ أنت برده باين عليك مالكش رغبه ليه .


ـ بالعكس ..


ـ طب ماقولتش لأبوك ليه . سقط فى يديه ولم يعرف كيف يجيب أمه .


ـ أصلى انا مش فاضى .. كل يوم فى بلد والانتخابات المحلي على الأبواب .


ـ كنت قلت كدا من الأول لأبوك . وأخذت تطبطب على كتفه بيمناها .. ثم خرجت وتركته ليرقد قليلا .


-4-


ازدهر العمل فى الصيدلية . وكثر المترددون عليها من أهل المنطقة ومن أصدقاء حسام ومعارفه .. وخاصة أنه كان لديه نظرة خاصة لمعارفه المترددين عليه من عمله السياسى . فمن يرد إليه من منطقة نائية أو قرية قريبة يتسامح معه فى خصم بسيط يرضيه ويجذبه إليه أكثر . ومن يرى انه من أهل المنطقة لايتجاوز معه فى السعر وإنما يقابله بلسان ذلق وابتسامه عريضة .


ولما رأى حسام أن العمل فى الصيدلية يحقق أرباحا طيبة وأن شريكه لا يساهم فى أى عمل .. مقتصرا على حصته فى رأس المال .. تولدت لديه الرغبة فى إنهاء هذه الشراكة .. وخاصة أنه لم يعد فى حاجة إليها وقد أصبح متوفرا لديه المال اللازم للقيام بها وحده . ثم إن الصيدلية باسمه هو ويتحمل كل مسئولياتها القانونية .. وعلى ذلك .. فاتح شريكة أولا .. فى أنه أصبح غير قادر على القيام بعمل الصيدلية وحده . فإذا كان لديه الاستعداد للإشراف على الصيدلية بعض الوقت كمساعدة منه فتعلل بأنه لا خبرة له بهذا العمل وليس لديه الوقت المناسب لذلك . وبعد فترة أخبره أنه يرغب فى إحضار صيدلى متفرغ للعمل مكانه لأنه لم يعد يستطيع إعطاءها الوقت اللازم بجانب عمله السياسى وإن ذلك سوف يترتب عليه زيادة المصاريف و بالتالى قلة الأرباح . وفى نهاية الحديث معه .. قال بعبارة عابرة .


ـ يعنى الموضوع ماعدش ها يجيب همه .


مما كان يعنى أنه بات إيحاءا واضحا للشريك بأنه يفكر على الأقل .. أو ينوى إنهاء الشراكة بينهما . فأخذ يؤهل نفسه لذلك . حتى جاء اليوم الذى إتصل حسام بشريكه تليفونيا وطلب حضوره وكان ذلك مساء يوم جمعه .. وجلسا في  معمل الصيدلية وحدهما . وبعد مقدمات اتفقا على إنهاء الشراكة بشكل ودي .. فعرض عليه حسام أن يشترى هو حصته ويحضر لها صيدليا متفرغا ويباشرها  .. أو أن يشترى حسام حصته هو ويتولى أمر الصيدلية . ولما كان الشريك يدرك تماما أنه لا خيار له فى الامر .. فقد رضى بانه يشترى حسام حصته . على أن يكون السداد فورا . فسكت حسام لحظات مبديا بعض التفكير .. فى الوقت الذى كان قد أعد نفسه لذلك جيدا .


ـ أمهلني شهرا واحدا .


ـ شهر واحد .. مفيش فيه مشكلة .


ـ مبدأ الجرد من أول الشهر . ونظر فى التقويم المطلق على الحائط .. وأكمل .


ـ يعنى بعد أسبوع كده .


ـ اعمل أنت الجرد .. وهات لى حصتى . أنا عارف إن أنت لا تقبل لنفسك ما ليس بحقك .وثقتى بك كاملة من يوم أن عرفتك .فشكره حسام على ذلك .. وانصرفا كل الى  منزله .


وهو .. فى طريقه إلى المنزل لم يكن يشغل باله إلا أن المبلغ الذى يقرره كحصه لشريكه ليس متوفرا معه بالكامل . فقد يحتاج ما بين خمسة إلى عشرة ألاف جنيه وهو مبلغ بسيط فى عرضه . ولكن لا يريد أن يطلب من أحد . حتى من والده . فنفسه لا تسمح له بأن يطلب من أحد . وهنا ذهب فكره إلى زوجته . فأكيد لديها هذا المبلغ وأكثر منه . فهو لا يأخذ من راتبها الكبير أى شىء ولا تصرف منه إلا فى أضيق الحدود فهو يكفيها من كل ناحية . بل ويغدق عليها فى المناسبات الملابس الفاخرة .. والمجوهرات التى تهواها . حتى إذا وصل إلى بيته .. وبدل ثيابه .. وجلس فى حجرته ينتظر أن تفرغ من أعمالها المنزلية وتحضر إليه . فاتحها قائلا :


- لقد اتفقت مع شريكي على إنهاء الشركة ..


- خبر كويس .


- وطلب منى شراء حصته .


- والله .. طب كويس .. يعنى الصيدلية ستكون كلها لك وحدك .


- إن شاء الله .


- أيوه كدا يا شيخ .. مش عرقك رايح لغيرك .


- أهو الراجل كان كويس معاك . وبعدين يعنى ما كانش  بياخد إلا حقه .. على قد حصته فى رأس المال .


- طيب وأنت معاك .. تعطيه حقه .


- يعنى .. يمكن أحتاج خمسة .. أو عشرة آلاف .


- أطلبهم من والدك .


- لا .. أنا مش عايز حد يعرف عننا حاجة


دوت فى أذنيها كلماته . فتفكرت لحظات .


- طب هاتجيبهم  منين .


- إيه .. يعنى إنت خلاص . ليس لديك هذا المبلغ .


( حملقت فيه مشدوهة ) .


- عايزنى أبيع مصاغى ؟! ( قالتها فى حده ) .


ـ لا.. إنت عقلك راح لفين .


ـ أمال ايه ؟!


ـ ما انت معاكى فى البنك نقدية .. إسحبى منهم وأول فرصة يعنى بالكتير ثلاث أو أربع أشهر سوف أرد لك المبلغ اللى ها تسحبيه .


ـ قول كده .. أنت باصص لفلوسى اللى فى البنك .. لا يا حبيبى ... ماتفكرش فيهم خالص .


بهت لحظات .. ولم يرد أن يفتعل مشكلة فتصر على الرفض .


ـ باصص ايه .. وبتاع ايه .. دول قرض لمدة محددة وسوف أرده لك وزيادة كمان لو انت عايزه .


تفكرت لحظات .. لو طلبت أنه يشاركني بفلوس .. سوف يرفض لأنه يريد .. فض شركه .. وبالتالى لن يدخل شركة أخرى .. طب ايه اللى يضمن لى فلوسى ؟!


طال صمتها . مما فهم منه أن هناك قبولا .. لكن بتمنّع .


- طب ايه يضمن لى فلوسى ؟!


قال مندهشا ..


- ايه يضمن لك فلوسك ؟!


ـ أيوه ( قالتها بحده ) .


ـ الله .. هو أنت معندكيش ثقة فيه .. يعنى الرجل الغريب يقولى أجرد إنت وهاتلى حقى أنا أثق فيك . وزوجتى وأم عيالى تقول ايه يضمن لى فلوسى .. هو ايه الفرق بين فلوسى وفلوسك أصلا .. ما هى فلوسى بعد عمر طويل لك وللأولاد . وهو انا يعنى باعمل كده لمين مش لكم . ايه الكلام الغريب اللى أنا باسمعه منك ده .


- يا حبيبى أنا عارفة كلامك ده كله .. بس أنا عايزه يبقى لى ذمتى المالية المستقلة وشخصيتى المستقلة . زى ما أنت لك ذمتك وشخصيتك المستقلين . هو أنا أعرف حاجة عن فلوسك ؟ أعرف إنت معاك ايه ؟! ولا فين ؟!


- مش عايزين نفتح مواضيع تعمل مشاكل بينا .


- اكتب لى شيك أو وصل أمانة بالمبلغ اللي أنت عايزه .


نظر إليها .. مقهورا .. مذهولا . وخرجت من بين شفتيه كلمة .


- موافق .


وقد نزف معها قدرا كبيرا مما بداخله من مشاعر وكبرياء .


 


-5-


 


بعدما استقر بمهام العمل فى الإدارة .. أخذت فى البداية تتعرف وتتفهم الجو حولها جيدا . من بيده القرار .. ومن بيده تسهيل الانصراف لها .. وقت ما تشاء . والحضور وقت ما تشاء . إلى أن تبين لها .. أن مدير الفرع .. مسيطر بشكل كبير على مجريات الأمور بالشركة .. وأن مدير شئون العاملين هو عينه التي يرى بها سير العمل . ويتخذ من خلالها القرارت الادارية . وعلى ذلك وطدت علاقتها به .. وعرفت كيف تفتح الطريق اليه . فهو يميل الى الحديث مع النساء .. فلم تتعال عليه وأكثرت من الحديث والتودد اليه وهو يعلم ما هى عليه من جمال . وعرفت أنه قلما يحضر إلى العمل متناولا فطوره فى المنزل .. فتعد الفطور لنفسها وترسل له ما يكفيه وزيادة شاملا كل ما يهوى . وكل حين ترسل إليه مشروبا ساخنا أو باردا حسب ما يطلب . وعرضت عليه أية خدمات يمكن أن يطلبها من زوجها بحكم عمله السياسى . وكان أن توسط له فى توصيل الكهرباء لشقة جديدة اشتراها لأحد أبنائه . ووصلت العلاقة بينهما أنه إذا لم يكن أحدهما على مكتبه فأنه يكون عند الآخر .. كما سرت عنهما بعض الأقاويل والشائعات التى وجدت من يصدقها .. تحت زعم طول عمره راجل بتاع نسوان .


ومن يرفضها قائلا :-


ـ ايه اللى يخلى واحدة بالجمال ده .. تعمل علاقة مع راجل عجوز كهذا .. العملية لا تعد أن تكون تزاوج مصالح ليس إلا . وبدون أن تطلب منه .. كان بذكرها بكل خير عند مدير الفرع  الذي بدأ بدوره يرسل فى طلبها ويكلفها بأعمال إشرافية على زملائها في حاله ما إذا طلب إنجاز عمل معين . أو يكلفها بمأموريات خارج مكان العمل . وطلبت من زوجها الحضور إليه للزيارة والتعارف فلم يمانع . وأصبحت العلاقة ليست بينهما فقط بل بينه وبين زوجها أيضا . مما أتاح لها التواجد بشكل مستمر فى مكتبه . حتى أطلق عليها الزملاء فى الشركة هى ومدير شئون العاملين " بهيئة أركان إلى رئاسة الشركة .. تارة .. وأخرى " هيئة المستشارين " اللذين لا يتخذ مدير الفرع .... قرارا إلا بعد أخذ رأيهما فيه . مما جعل الزملاء يكثرون من التودد اليهما . وإليها بالأكثر .. نظرا لكونها امرأة جميلة ولأن مدير شئون العاملين يعاملهم بترفع . الأمر الذي جعل مدير الفرع يقربها منه أكثر وبالتالى كثرت ساعات تواجدها فى العمل سواء أثناء الدوام أو بعد الدوام . وساعدها على ذلك أن ولديها قد كبرا ولم يعودا يحتاجانها دائما بالإضافة إلا أن زوجها يخرج فى العاشرة صباحا ولا يعود إلا مساء لتناول الغداء ثم يخرج للصيدلية ولا يعود الا منتصف الليل وخاصة بعد ما أنهى الشراكة وأصبحت خالصة له .


إلا أن الأقاويل أخذت تتزايد حولها .. لتواجدها فترات المساء بمقر الشركة فى وقت لا يتواجد فيه إلا مدير الفرع وعدد قليل مما قد يتطلبه العمل من الزملاء وبعد انصرافهم يصطحبها الرجل فى سيارته بحجة توصيلها إلى المنزل الأمر الذى جعل كل من يسمع هذه الأقاويل  يميل إلى تصديقها . إلا أن ما دعي البعض إلى التأكد من صحة هذه الأقاويل ان عنايتها بزينتها وجمالها أصبحت تأخذ شكلا لافتا . ومن يلحظها قبل دخولها عليه المكتب .. يرصد بعينيه نظرتها فى المرآة .. وتعديلها لبعض خصلات شعرها . الأمر الذي يجعله يصدق ما يسمع . حتى أرتقت الشائعات والأقاويل إلى درجة أن أصبح الكلام يقال على أنه حقائق  .


 


-6-


 


كالعادة فى المدن الصغيرة .. يعرف الناس بعضهم بعضا .. ومن السهل معرفة أكثر الأمور .. وما يدور من أقاويل وشائعات حتى وصلت ...... إلى مسامع أحد أصدقاء والد حسام المقربين . إستنكرها الرجل فى البداية .. وملا وجد تأكيدا من القائل أخذ الرجل على عاتقه إبلاغ صديقه بما يطول زوجة ابنه . فالرجل معروف بحسن السمعة وكذلك أبنائه . فكيف تطولهم مثل هذه الأقاويل . حتى لو كانت مجرد شائعات . فأتجه الرجل إلى محله وبعد أن جلس أمامه إلى المكتب . بدا متحرجا .. كيف يفاتح الرجل وأخيرا حزم أمره قائلا .


ـ كيف حال ابنك حسام .


ـ بخير .. والله الواد صعبان عليا .. ما بيروح إلا أنصاف الليالى . (وكأنه لا يريد أن يسمع باقي إجابته ) .


- وكيف حال زوجته ؟.. وأخبارها إيه فى عملها ؟! ذهل الرجل من السؤال .. فكيف يسأله عن زوجة ابنه وعن عملها .. ومتى كان له أو لغيره أن يسأل عن ذلك .


- ايه .. وراك ايه .. قول يا راجل ؟


ازداد حرجه .. لدرجة أنه كاد أن يقوم من مكانه مغادرا دون أن يكمل المهمة التي جاء من أجلها .


- يا حاج رمضان .. إحنا طول عمرنا ما سمعنا عنك إلا كل خير .. أنت وأولادك .


- يا راجل أتكلم وقعت قلبى .. فيه ايه ؟!


- ها اقولك أهوه .. أصبر على .


- الله .. ياراجل خش فى الموضوع .. فيه ايه ؟


- زوجة ابنك حسام ..


- مالها .


- يدور حولها كلام كثير مع رئيسها فى العمل  .


- يدور.. كلام .. رئيسها فى العمل .. كلام ايه اللى بتقوله ده


- أنا لم أقبل أن اسمع هذا الكلام يدور من حولكم ولا أخبرك به .. إن كان صحيحا .. عالج الأمور بحكمه ..وإن كان غير صحيح .. أبعدها عن موضع الشبهات .


ذهل الرجل ..جن جنونه .. طار عقله .. زوجة ابنه .. ومن .. حسام .


- يا أرض إنشقى وإبلعينى


- ايه ده يا راجل .. الموضوع ده عايز حكمه .


- حكمه .. حكمه ايه .. وبتاع ايه . وايه الكلام ده من أصله . بس أنت متأكد من الكلام اللى انت قلته ده . تعرف أنت لو واحد غيرك قال لى كده .. مش عارف أنا كنت عملت فيه إيه .. لكن أنا عارفك وأنت طول عمرك صاحبى وحبيبى ولا ترضاش لى العيبة .


- وده اللي خلاني أجي على نفسي وأنا قلبي بيتقطع وأقول لك على اللى سمعته .


- كتر خيرك يا أخويا .


وقام الرجل .. ربت على كتف الحاج رمضان وهو يغادره قائلا .


- امسك نفسك .. وعالج الموضوع بالحكمة اللى نعرفها عنك . الموضوع حساس .


_ ربنا يصبرنى ويقوينى .


وبعد لحظات قضاها مذهولا .. غير مصدق لما سمعه .. ده حسام طول عمره ماعرفش سكة النسوان دى خالص . علشان نقول إنتقام من ربنا . طول عمره أيده وديله نضاف . وبعدين مراته تعمل كدا ليه بس دى عيالها كبرت .. وكبرت هى على الكلام ده وترضى ده لنفسها ولزوجها بس إزاى يا ناس .. وأخذ يحدث نفسه بصوت مسموع .


ـ طب ها تعمل إيه يا رمضان .. وازاي هاقول للواد .. طب أجيب حاتم أخوه وأقول له .. ويقوم هو بالمهمة دى بدلا عنى . طب إزاى .. وأفرض حسام مش عايز أخوه يعرف . ولا أنا اللى هاقول للدنيا . وأفضح إبنى ومراته . مافيش غير انى أطلبه بالتليفون يفوت على هنا وأقوله .. واللى يكون يكون . ومد يده الى الهاتف وأدار رقم الصيدلية .. لم يجده فأخبر الموجود بإبلاغه بضرورة وسرعة الاتصال بوالده للأهمية .


وبعد قليل سمع رنين الهاتف ..


- ايوه .. حسام .. تعالى بسرعه أن عايزك .


- فيه ايه .. خير .


- مافيش تعالى وخلاص . ووضع سماعة الهاتف دون أن يسمع رده. وبعد لحظات قليلة . وجده أمامه منزعجا ..


- خير يا حاج فيه ايه .


قال له بلهجه آمره .


- اقعد ( لاحظ انقلاب سحنة والده . وحيرته وتردده . فجلس مذهولا ) .


- أخبار مراتك ايه يا حسام ؟!


- بخير . وسكت مستطلعا وجه أبيه قائلا فى نفسه


" ايه الحكاية .. جايبنى على عجل ليسألنى عن زوجتى .. الراجل وجهه مقلوب كده ليه ؟!


- فيه ايه يا حاج ؟!


تردد الرجل أمام انزعاج ابنه الواضح . فلم يحر جوابا للحظات


" لازم أقول له .. حتى يضع حدا لهذا الأمر ."


- شوف مراتك يا بنى . فيه كلام بيتردد عنها مش كويس . وصل لودانى يا حسام .


مارت به الأرض .. نظر لوالده غير مصدق لما يسمعه منه . غير مصدق أن من يحدثه هو والده أصلا . شل فكره .. تسمرت ملامحه . توقف الدم عن الجريان في عروقه . تاه .. انهار جبل الجليد بداخله . تبخرت كل مقاومته على الصمود امام ما سمع . وأهتز له كيانه .. بل اهتز له كل ماضيه وحاضره . انقلبت الدنيا رأسا على عقب . انهار .. مالت رأسه على كتفه .. أغمى عليه .. غاب وعيه لحظات .. تهالك خلالها على المكتب أمام والده . الذى وقف جذعا .. ومد يده اليه زاعقا .


ـ مالك يا بنى .. مالك يا حسام .


تمالك نفسه بصعوبه بالغة . هز رأسه .., إعتدل فى جلسته .


عندما أحس ببداية جريان الدم من جديد فى عروقه .. هم واقفا.


ـ على فين يا بنى .


ـ هااروح .


ـ أنا جاى معاك .


واقترب الحاج رمضان من ابنه .. يحاول أن يساعده .. إلا أنه وقف معتدل القامة وقال له .


ـ لا .. سيبنى أمشى لوحدى .


وأصطحبه الى منزله .. حتى اذا دخلا من الباب صادفتهما سهام فى الصالة متأهبة للخروج وهى بأكمل زينتها . نظرا اليها .. صامتين .


انهار حسام على أقرب مقعد .. قال له والده وهو يوشك أن يغادره.


- ها اتصل بك ليلا للاطمئنان عليك. وأنت يا مدام بلاش تخرجى النهارده وخلى بالك من زوجك أصله تعبان شويه .وأعطاها ظهره وخرج مغلقا الباب من خلفه . دون أن يلقى عليهما السلام .


 


-7-


 


بعد خروج الحاج رمضان .. أبدت إنزعاجا شديدا لحاله زوجها اقتربت منه . حاولت لمس جبهته بيدها .. نفر منها.... وأبعد رأسه . بعد لحظات .. نهض من مقعده .. صلب طوله ...... حاولت مد يد المساعدة إليه . أشار بيده أن اتركينى . اتجه الى حجرة النوم . بدل ثيابه. تمدد على الفراش وتدثر بالرغم من حرارة الجو .. وأعطاها ظهره .


- عايز حاجه اعملها لك .. أجيب لك دكتور .


- مش عايز حاجة .. سيبينى لوحدى .


- طيب إذا كنت مش عايز حاجة أروح شغلى .


- لا . اقعدى ما تخرجيش . وأقفلي الباب على عايز أبقى لوحدي شويه .


بدلت ثيابها .. وخرجت من الحجرة .. واغلقت الباب خلفها ...... جلست فى الصالة على المقعد الذى كان يشغله زوجها منذ لحظات . وقد انتابتها مشاعر متناقضة . فمن ناحية .. لا تدرى ما الذي ألم بزوجها .. وتريد أن تطمئن عليه .. ومن ناحية أخرى .. فهناك من ينتظرها فى العمل .. وترغب فى الذهاب إليه. ولما تأكد لها ان الخروج أصبح مستحيلا الآن فى ظل الحالة التى يمر بها زوجها .. قامت إلى الهاتف واتصلت بالعمل .. وأخبرته بصوت هامس أن زوجها .. عاد من الخارج مريضا واضطرت إلى البقاء .


ولما عادت إلى جلستها.. وهدأت نفسها .. أخذت تستعيد بينها وبين نفسها مشهد دخول زوجها وأبيه ... وتذكرت قول أبيه .. " بلاش تخرجى النهاردة .. وخلى بالك من زوجك شويه ". وعاد الى ذهنها عندما مدت يدها الى جبين زوجها .. فأعاد يدها .. كأنما لا يريد لها ان تلمسه . وتكرر منه ذلك عندما حاولت مساعدته عندما وقف للذهاب الى حجرة النوم .. ومدت يدها لتسنده ... فأبعدها . ما الذي يجرى من حولها .


ـ هل وصل إلى مسامع حسام أو والده أية أقاويل ... أو كلام ؟!. أكيد ذلك وما حدث فعندما كان يتعرض للمرض أو زيادة نسبة السكر أو يرتفع ضغطه كان يطلب منى  المساعدة .. هات  جهاز قياس الضغط .. هاتى جهاز قياس السكر . أما الآن فأنه يرد يدي التي امتدت إليه . أكيد بلغه شىء عن ما يحدث فى العمل . لكن ماذا يحدث .. وكيف له أن يتأكد من صحة هذه الأقاويل ؟! إنها أقاويل يرددها الحاقدون على نجاحى فى العمل .. ليس إلا . وإذا كان لديه شك .. فليأت بأي دليل على خيانتى له. ثم إن عليه أن يلوم نفسه هو قبل أن يلومنى . فأية واحدة فى الدنيا لا تنظر للرجل الآخر الا إذا وجدت رجلا لا يحقق لها ما تريده منه . إنه طوال اليوم خارج المنزل وأنا زى الخدامة فى البيت وكمان أذهب الى شغلى مثله . ولا يأتى إلا للغداء بعد العصر .. ثم يخرج ليعود عند منتصف الليل مكدودا ..لا يقدر إلا على تناول  العشاء  والجرى الى الفراش هل أنا حجر أصم ؟! مجردة من المشاعر ؟! لو كان يقدر المرأة التى تعيش معه بحق .. ما كان يفعل معى ذلك .. كأنه يتعمد أن يهيننى .. يذلنى . كل ذلك لأنني رفضت إعطاءه العشرة آلاف جنيه إلا بإيصال . وماذا فى ذلك . فلوسى وعرقى . ده أحسن منه وأرجل منه يتمنون نصف جمالى . بل ويتمنون منى النظرة .. أو حتى الابتسامة . عندما يقدر قيمة المرأة التى تعيش معه .. يكون لى الحق فى الغضب بهذا الشكل . ثم انه ما من مرة أبدى رغبة فى معاشرتى كزوجة وامتنعت .. أو صددته .. فماذا أفعل أنا .. هل أحبو على قدمى طالبة الرضا والعفو والسماح .. ومعلش علشان خاطرى تعال إلى .. خذنى فى حنانك خذنى . ايه يا ختى الرجالة دى . دى رجالة أخر الزمن . الآن فقط ... تحركت الغيرة بداخله وأحس برجولته . وأين كانت هذه الغيرة عندما كان يرانى على آخر زينه وخارجة أمامه . ألم يسأل نفسه .. إلى اين ستذهب هذة المرأة ؟ ألم تتحرك فيه الغيرة والرجولة ؟!


عندما وصلت بفكرها إلى هذا الحد ... هدأت نفسها قليلا .. داخلها شعور بعدم المبالاة . فماذا سيفعل لها ؟! أنا أعرفه حق المعرفة .. آخر ما عنده أنه سيطلب منى التوقف عن الذهاب الى العمل ؟ أما بتسوية معاش .. أو إجازة طويلة .. وفى كلتا الحالتين لن أخسر شيئا .. سأطلب منه إعطائي مرتبي الذي سأخسره . وأن كان عجبه كمان . لما هو كبريائه واجعاه قوى كده ... وكرامته بتنقح عليه ... متجاهل ليه كبريائى وإحساسى بنفسى . ولا يعنى هو مابيفكرش  إلا فى نفسه وخلاص . يا شيخ روح بلا نيله كدا . عند ذلك قامت من جلستها .. ودخلت الى المطبخ .. وأعدت لنفسها كوبا من الشاى .. وجلست ترتشفه فى هدوء .


 


-8-


 


بعد ما خرجت من الحجرة .. وأغلقت الباب من خلفها .. اعتدل فى رقدته .. ليكون على ظهره . أغمض عينيه . وأخذ شريط حياته معها يمر عليه بطيئا .. رتيبا .. يستعذبه تارة .. ويتألم منه تارات . فكم من المرات تسامح .. وكان كريما وكبيرا معها .. لكن فى أمور لم تكن تمس الشرف . حرصا عليها وعلى نفسه ... وبيته وولديه . كم كانت طلباتها المادية .. من مجوهرات .. وملابس غالية فى المناسبات والأعياد . ولكنه كان يتحمل .. ويلبى . ربما أحست أن ذلك كان ضعفا منه أمامها. ولكن كان فى حقيقة الأمر يلبى .. لأنه يريد أن تسير الأمور . أهملت مع الأولاد .. حتى حصل الكبير على مجموع لا يؤهله لدخول جامعة حكومية .. وأصرت عل أن تلحقه بجامعة خاصة بالعاصمة بالرغم من علمه بفداحة المصاريف وكان لها ما أرادت .. ولحق به الثانى .. وكان لها ما أرادت أيضا . بالرغم من أن إمكانياته المادية لم تكن لتسمح بالإثنين وان فى ذلك عنتا وإرهاقا شديدا له . وتحمل بالرغم من مرضه .. وأرهق نفسه وانفق صحة فى العمل .. ليحقق لها الحياة التى تناسبها . إلا أنه لم ينس لها قط يوم أن طلب منها أن تقرضه عشرة ألاف جنيه لتكملة حق شريكه فى الصيدلية ورفضت أن تعطيه المبلغ إلا بعد أن حرر لها إيصال أمانة . هل يحدث ذلك بين أي زوج فى الدنيا وزوجته .. كان هذا التصرف منها .. هو القشة التي قسمت ظهر البعيد كما يقولون . فقد ملأه الحزن لهذا التصرف .. واعتصره الذل والمهانة وهو يحرر لها الإيصال . ومن لحظتها .. أدرك  أنها لا تعايشه كزوج ... لا .. بل كمشروع تجارى .. تحقق من خلاله طموحها إلى الحياة التي ترغب فيها . لم يعد يرغب فيها كزوجه.. أصبح يرتضيها كديكور يكمل به شكله الاجتماعي . إبقاء على صورته أمام الناس .. وإبقاء على كيان الأسرة والأولاد . كل ذلك وهو يتصور أن امرأة بهذا التسلط .. والتجبر .. لا يمكن أبدا أن ترضى لنفسها أن تكون تحت رجل آخر غير زوجها . ان تقبل بعلاقة تهنيها وتذلها وتنال منها . أم ترى أنها لا تنظر الى الأمور ... بهذا المنظار ... وأنه واهم وهذا المنظار منظاره هو وحده.. ولا أحد سواه وأخذ يسترجع فى ذهنه .. يوم أن طلبت منه يذهب لزيارة رئيسها فى العمل للتعرف به .. ترى ماذا كان يقول على الرجل فى داخله .. عندما رآنى ؟! .. بل ماذا قال زملاؤها فى العمل عندما كانوا يرونني أتردد عليها فى العمل فى الأيام السابقة . ياالهى . وماذا يقول عنى الآن كل من وصله أخبارها الكريمة ؟! ترى هل الابتسامات التى  كنت أراها على شفاه زملائي .. ابتسامات سخرية مره .. أم استهزاء ؟!........ والنظرات التي كنت أراها فى عيون العاملين معي بالصيدلية .. والمترددين على كانت نظرات سخرية أم استهزاء ؟! ولكن كيف لى أن أواجه كل هؤلاء الآن ؟! كيف ستواتينى الجرأة أن أذهب الى مقر الحزب الآن والكل هناك يعرف عن علاقة زوجتى برئيسها ؟! كيف سأقف فى الصيدلية وأتعامل مع العملاء .. وهم يعرفون عنى ما كنت أجهله ؟! وما يكفى لأن أتوارى عنهم الى حين . أحس بالحمى تسرى فى جسده .. بعد أن كان يشعر ببرودة شديدة . نحىّ الغطاء عنه جانبا . سمع رنين الهاتف بجواره . لم يفكر حتى فى رفع السماعة .. لكن للحظة برق فى رأسه أنه ربما يكون اتصال لها من العمل يسأل عن أسباب عدم حضورها .. فرفع السماعة مسرعا . إلا أنه كان والده فدخل فى الخط متحدثا .


- أيوه يا بابا .


- أخبارك إيه يا أبني .. طمنى عليك .


- بخير ... الحمد لله .


- أنا من ناحيتى يا أبنى .. لن يخرج من لسانى حرف عن هذا الموضوع حتى لأمك . وأنت عالج أمورك وأهم حاجة خلى بالك من صحتك .


ـ ان شاء الله


ـ ربنا يسترها معاك يا بنى .. مع السلامة .


وضع السماعة ... وقد أراحه اتصال والده قليلا .. أخذت نفسه تهدأ .., بعض الشىء .


" ماذا على أن أفعل الآن ؟! ذلك هو السؤال الذى أحتاج الإجابة عليه ....... ماذا سأقول لها .. وماذا سأفعل معها وبها ؟! وجد نفسه بتلقائية .. يقرر أنه لا بقاء لها فى هذا البيت .. ولا فى هذه البلدة .. أفضل طريقه .. تذهب الى العيش مع ولديها فى العاصمة .. وبدلا من أنهما يعيشان وحدهما . تنقل عملها .. أو تستقيل منه وتقعد مع ولديها حتى يكملا دراستهما . وبعدها وحتى يأتى ذلك الحين يكون قد حسب أموره جيدا وقرر ما عليه أن يفعله معها ومع الأولاد .


 


-9-


 


جاهد لتجميع شتات نفسه .. لابد له من أن يتماسك .... فمن يتماسك إذا .. إذا انهار هو ؟! ركز كل جهده .. كل  أعصابه .. لتصفيه ذهنه .. وهدوء نفسه . تمدد فى الفراش .. فرد طوله حتى لامست قدماه مؤخرته ... ارتسمت على شفتيه ابتسامة جمعت فيها كل مرارة الدنيا . فكر فى أن يحتسى كوبا من القهوة . قام من رقدته ... وأتجه إلى المطبخ وأعد القهوة . تذكر أنه لم يتناول أي طعام من الصباح .. وقد اقتربت العشاء . أعد لنفسه نصف رغيف من الخبز ... وحشاه بقطعة من الجبن . واتجه الى غرفته . حتى إذا انتهى منهما . جلس على الفراش لحظات يتدبر أمره .


ـ يجب على أن أتصرف بشكل عادى جدا . حتى لا يلحظ اى من المحيطين بى أى تغير .. يفهم منه ما يريد . سأذهب الى مقر الحزب كالمعتاد كل مساء .. وسأخبرهم بسفرى الى القاهرة لمدة يومين فى امر خاص  . ومنه الى الصيدلية لمتابعة العمل كالمعتاد . وعندما احضر .. سأخلد للنوم كالمعتاد .. أيضا . لكن ماذا سأقول لها وانا خارج الآن ؟! سأتصرف كأنها غير موجودة فى المنزل .. بل وفى حياتى كلها . وإن سألت سأجيبها .. خارج بعض الوقت وسأعود . ولكن يجب أن أطلب منها عدم الذهاب للعمل اعتبارا من الغد . عموما .. اترك الرد .. ليكون حسب ما ستقوله هى . قام من جلسته .. أرتدى ثيابه فى تأن . وتأنق كالمعتاد .. وزادها .. بأن تعطر .. عطرا فواحا . وشق طريقه الى الخارج . فوجدها مازالت جالسه على المقعد بالصالة ومسنده كوعها الأيمن إلى جانب المقعد .. وخدها على يمناها . عندما رأته على ما هو عليه .. خرجت منها شهقة لم تستطع أن تكتمها


ـ على فين .. وأنت تعبان


لم يجيبها حتى وصل الباب .. وبعد أن دلف منه وقبل أن يغلقه  من خلفه .


ـ على فكرة . شغلك .. خلاص .. من غد .. لا تذهبى اليه . ومن صباح الغد تسافري للمعيشة مع الأولاد على الأقل يلاقوا حد .. يرعاهم . وإذا كنت عايزه شغل .. أنقلى شغلك إلى هناك . ولم يترك لها فرصة للرد ... أغلق الباب من خلفه وأكمل سيره إلى الحزب وهو فى الطريق .. طرأ على ذهنه أن يمر على والده في المحل .. سوف يجده الآن وقد خفت حركة البيع .. ويوشك على إغلاق المحل كعادته بعد صلاة العشاء فى المسجد المجاور للمحل .. وفعلا لحق به وهو يوشك أن يغلق الباب . وعندما لاحظه قادما .. توقف عن إغلاقه .. ورمقه باندهاش سائلا نفسه .. كيف تماسك وخرج الآن ؟! فرسم حسام شبح ابتسامه على وجهه قائلا :


ـ ايه يا حاج .. مالك مندهش كده ليه ؟!


ـ ولا حاجة يا بنى .. تعال .. ودخلا معا .


وجلس الوالد إلى مكتبه وحسام على مقعد بجواره حتى لا يعلو صوتهما وهما يتحدثان .


ـ خير يا بنى .. عملت ايه .


ـ ولا حاجه .. لا تشغل بالك أنت يا حاج .


ـ ازاى يا بني .. أمال مين اللي يشغل باله .. دى مصيبة يا بني .. طمنى .. نويت على إيه .


ـ خير .. من بكره ها تروح تقعد مع العيال .. أقله تاخد بالها منهم وترعاهم .


ـ وما بينكم يا بنى .


فابتسم ابتسامة مريرة . قائلا فى نفسه ..


" هو احنا يعنى كنا بينا ايه يا حاج "


رنا إليه والده .. مستفهما عن سبب ابتسامته . فلم يجبه بشىء .. مطرقا للحظات ثم قال له :


- تقدر تقول كده .. لم يعد بيننا شىء . لكن علشان العيال ... وكلام الناس .. ومنظرنا كده ... أمام أنفسنا وأما المعارف يكون شكله حلو . أنا شايف إن ده التصرف المعقول .


- وايه الضمان إنها ما تعملش كده تانى فى الشغل اللى ها تروحه بس يا بنى .


- على العموم .. لو أى واحده عايزه تعمل أى حاجة وفى أى وقت ها تعملها . وأنا شايف إن وجودها مع الأولاد لن يترك لها فرصة للتفكير فى أى حاجة وخاصة أنها هنا كانت طول النهار والليل وحدها . وده اللى كان معطيها الفرصة للتفكير فى الأمور التانية .


- اللى انت شايفه يا بنى .. انت أدرى بها منى .


- خلاص يا حاج .. يبقى إذا أحد سأل .. يعنى ماما أو حد من اخوتى . أو من المعارف تبقى أنت عارف الرد .. أن الأولاد ألحوا عليها أن تسافر للإقامة معهم حتى يستطيعوا أن يذاكروا دروسهم وينجحوا وخاصةأن مصاريف الدراسة كل سنة بالشىء الفلانى .


ـ ماشى يا بنى .


ـ طب .. أقوم أنا .. علشان أروح الحزب .. وأنت تروّح فى ميعادك .


بعد ما غادر المحل . جلس الحاج رمضان وحده دقائق يجمع شتات فكره .


ـ الواد ده عمره ما قال لى يوم ايه رأيك يا بابا فى أى حاجة .. من نفسه كده يحل كل مشاكله . ورأيه من دماغه . طب مش كان الطلاق أحسن له .. على الأقل الناس تقول لما عرف . سلوكها رماها رمية الكلاب . بدلا من أن تقول .. أكيد عرف وساكت عليها .. يبقى راجل قواد . آه كان كده أحسن له .. وأحسن لصورته أمام الناس . لكن يا حاج رمضان " الأولاد " .. بقوا رجالة .. وها يكون منظرهم ايه أمام زملائهم .. ولا حتى لو الواحد منهم راح يخطب واحدة .. ها يقول لهم ايه . والله الواد حسام ده عقله كبير برضه .. بس أعصابه جامدة قوى . أهو سابها زى الخدامة لأولاده ترعاهم وتربيهم . وفى نفس الوقت بعيدة عنه مرمية هناك لا حس عنها ولا خبر "


وعندما وصل الحاج رمضان إلى هذه القناعة . قال فى نفسه وهو ينهض من مقعده .


ـ فى الآخر يا رمضان ... هو حر التصرف فى بيته .. واللى بيشيل قربه مخرومة .. بتخر على رأسه .


وأغلق محله.. وشق طريقه فى خطوات متمهلة تئن تحت وطأة السنين التى عاشها يكابد الحياة وتكابده .


-10-


عندما قال لها وهو خارج ..


- شغلك .. خلاص من غد .... لا تذهبي إليه .


وهى أصبحت واثقة تمام الثقة أنه عرف كل شىء .. ولأنها تعرفه جيدا .. كتوما .. لا يخرج كل ما بداخله .. حتى الأمر اليسير . فلم تعرف ما انتواه على وجه التحديد .. فى البداية تصورت أنه سوف يجعلها تجلس فى البيت بدون عمل . فقالت فى نفسها .. وماذا فى ذلك ؟! سوف أطلب منه مرتبى الذى كنت أناله من العمل وآهو أنا قاعدة مرتاحة من بهدلة القيام بدرى والذهاب للعمل كل يوم . لكن عندما تذكرت بقية حديثه .


ـ إذا كنت عايزة تشتغلى  انقلى شغلك هناك . قالت فى نفسها أنه لا يريد أن يعطينى شيئا .. يعنى لو بقيت فى البيت بدون عمل لن يعطينى ما أطلبه . وإذا كنت عايزة الفلوس .. اشتغلى  ... لا .. الأمر أصبح يحتاج تفكيراً منك أكتر من كده .


فقامت وأعدت لنفسها كوبا من الشاى .. وجلست وهى ترتشفه وتفكر فى أمرها .


" يعنى المطلوب منك دى الوقت ... انك نقعدى مع العيال تخدميهم ... قبال لقمة عيشك . وإذا كنت عايزة فلوس .. إشتغلى .. يبقى هدة فى البيت وهدة فى الشغل وخاصة فى العاصمة المواصلات مقرفة . يعنى بعد " البغددة " والهنا اللى كنت فيه ها أبقى زى أى واحدة من اللى كنت لما أشوفهم أشفق عليهم من تعبهم وشقاهم . يعنى ده هو إنتقامه منك يا سهام "هرشت فى رأسها .. اعتدلت فى جلستها .


ـ " طيب معنى كده أنه ما فكرش فى الطلاق . وده فى حد ذاته كويس . طلاق ايه .. وبتاع ايه .. هو أنتم يعنى كنتم متجوزين . لا .. لكن الطلاق كان سيعطى فرصة للكلام .. وتعرف أمى وأبى وأخواتى وأزواجهن والجيران والمعارف . والدنيا كلها ... دى كانت تبقى مصيبة يا سهام " وهنا فقط أحست بوخزة ضمير . صحوة عقل .. كان فى غيبوبة . " هو انا كنت عملت كده ليه ؟! ايه اللى حصل .. يعنى زدت شوية ؟! سويعات لذة .. لحظات متعة . كان ممكن تخديهم منه برضه يا سهام . لو أنت كنت واعية .. أليس هو زوجك .. كنت أعملى معاه اللى أنت عايزاه . حركيه .. حتى لو كان صخر . أليس برجل .. وأى رجل من السهل أن تحركه أي امرأة . وأنت لست كأية امرأة .. أنت أجمل من كثيرات .. ويتمناك أى رجل . فما الذي فعلتيه بنفسك ؟!


ـ هيه .. قالتها لنفسها بصوت عال .. وضربت فخذيها بكفيها وهمت واقفة . أخذت تتحرك فى الصالة وقفت على باب حجرة النوم ... اصطدمت عيناها بصورة زفافهما . الابتسامات العريضة منهما ... والسعادة تكاد تقفز من عينيهما .


" ماذا فعلت بنفسك وبه ؟! أين هذه الابتسامات الآن .. بل أين هذة النظرات المليئة بالحب والسعادة ؟! لماذا لم تدافعى عنهما وعنه ؟! ترى ماذا سيقول الأولاد الآن خاصة وهم على أعتاب الرجولة ؟! هل سيخبرهم أبوهم ؟! وماذا سيقول لهم ؟! سقطت نظراتها على الفراش .. كم من الليالى مرت عليه .. يحتوينى بين أحضانه .. كم من لحظة سعادة عشناها سويا . كم من ساعة متعة .. لذيذة مرت بنا " ارتمت عليه .. تمرغت فيه .. وجدت نفسها تبكى بحرقة وبدموع غزيرة . حتى إذا هدأت نفسها قليلا . تمددت على الفراش .. أسندت كاهلها إلى مقدمته .. مدت جذعها .. استرخت تماما .


ـ  " ما هو السبب .. هو اللي فجأة إتغير.. حتى أنا ساعتها فكرت أنه يكون بيعرف واحدة تانية .


وياما ليالى انتظرته وأنا الغيرة تأكلنى .. وعندما كنت أسأل عنه تليفونيا فى الصيدلية . لشد ما كانت دهشتنى عندما أجده هناك. حتى قلت لنفسى :


ـ " ايه العبط اللى انت فيه ده يا سهام .. هو هيلاقى أجمل منك فين .


وهدأت نفسى بعدها . ولكنى لم أعرف سببا لتغيره .. الأمر الذى لم يرحنى تماما . ثم إنه كان كتوما جداً .. ولا يقول لى عما فى نفسه .. لو أنه يشركنى فى أمره .. يشاركنى أفكاره .. وأشاركه همومه وفكره . إلا أنه دائما باصص لنفسه على أنه حاجة كبيرة قوى .. وما عليّ إلا أن أحمد ربنا على  وهبنى إياه وجعلنى زوجة لسعادته . "


التفتت الى المرآة .. تأملت جمالها لحظات .


- " وبعدين .. ما هو الحل .. ماذا سأفعل .. هل أقبل ما يقوله وأنفذه دون مناقشة . وأسافر للإقامة مع الأولاد . طيب وهل أنتقل لشغلى إلى هناك .. أو أقعد فى البيت . " ولكنها وجدت  ميلا فى نفسها أن تنقل عملها إلى هناك .. على الأقل تجد ما يشغل وقتها ولا يجعلها تفكر فى أى أحد أخر .


- 11-


بعد ما انصرف حسام من عند والده ... اتجه إلى مقر الحزب . وقبل أن يتوافد عليه أحد . اتصل بمدير شئون العاملين بشركة زوجته بمنزله . وبعد المقدمات المتعارف عليها قال له :-


- هل يمكن  نقل المدام إلى مقر الشركة بالعاصمة .


- خير .. في إيه .( قال ذلك كأنما قد بوغت ) .


- الأولاد .. هناك يدرسون كما تعلم .. ويشكون من عدم استطاعتهم إعداد الطعام والمذاكرة .. واستقر رأينا على أن تنتقل إلى هناك وتعيش معهم حتى ينتهوا من دراستهم .


- يعنى دى رغبة المدام .


- طبعا .


- إذا كانت هذه رغبتها .. تجيب طلب واحنا نوافق عليه .. ويتبقى لها موافقة الجهة التى ستنتقل إليها .


- لكن لى طلب عندك .


- أنت صاحب جمايل على . اطلب كما تشاء .


- سأرسل لك الطلب بعد قليل مع إحدى العاملات التى تعمل معى بالصيدلية. وأرجو أن تنهيه صباح الغد .. حيث ستمر عليك نفس العاملة العاشرة صباحا لإحضاره لى حيث سنسافر غدا .


بعد تفكير قليل ..


- سأحاول .


- أرجو أن يتم ذلك


- إن شاء الله بمجرد حضور الريس سوف أنهى لك هذا الموضوع .


- أكون شاكر فضلك .


وبعد إنهاء هذه المكالمة .. اتصل بزوجته فى المنزل :


- اكتبى طلب نقل للقاهرة الآن .. وسوف تمر عليكى العاملة اللى معايا فى الصيدلية لأخذه .. حيث سأسافر به غدا لإنهائه .


- من غير ما تاخد رأيى .


- انا عارف رأيك كويس جدا .


وأنهى المحادثة .. ثم اتصل بالصيدلية وأفهم العاملة ما تقوم به . وطلب منها أن تتصل به بعد أن تنهى مأموريتها .


وبدأ توافد الزوار عليه .. من أصحاب المشاكل وأعضاء وكوادر الحزب .. انهمك معهم .. ابتعد عما كان يعانى منه بعض الوقت . وقبل أن ينصرف أبلغهم بسفره الى القاهرة لمدة يومين ... بعدما اتصلت به العاملة .. وأخبرته بأنها أتمت ما طلبه منها , وشق طريقة إلى الصيدلية لتحصيل الايراد .. للسفر فى الغد . ثم عاد الى البيت .. فوجد سهام فى انتظاره فى الصالة وبدون أن يلقى أية تحيه .. اتجه الى حجرة نومه .. وأحضر بيجامة . ثم اتجه إلى غرفة الأولاد التى كانت مغلقة .. ثم دخل وأغلق على نفسه الباب. وأثناء تبديلة بثيابه فوجىء بها تفتح الباب . وبدون أن ينظر لها . قال لها :


- فى ايه .


- أنت هتنام هنا .


- نعم .


- أنت حر . هتسافر بكرة لوحدك ولا عايزنى معاك .


- لوحدى .


- يعنى اللى انت عايزه بتعمله .. من غير ما تاخد رأيى .  


- لم يعد لك عندى رأى . ثم أعتقد أننى عملت ما تريدين .. إلا إذا كنت لا ترغبين فى النقل وتقدمى استقالة . وهذا الأمر أظن أنك لم تفكرى فيه اطلاقا . ومع ذلك إذا كنت تريدين ذلك أكتبيها وهاتيها وأنا أخلصها لك .


ـ وتشغلنى خدامة عند أولادك .


ـ خدامة عند أولادى وأولادك . أكرم لكى من الشغلانة التانية اللى كنت عايزة تشتغليها قال ذلك دون أن يلتفت إليها .


سقط فى يدها . لم تستطع أن تكمل معه الحديث .


فألقت عليه نظرة نارية وأغلقت الباب خلفها بعنف . وسمعها وهى تدخل حجرة النوم وتغلق خلفها الباب بعنف أشد .


أحس براحة نفسية تسرى فى أوصاله . أنهى تبديل ثيابه .. وتمدد على الفراش .. ملتمسا أن يرتاح فى نومه .


 


-12-


 


فى صباح اليوم التالى . بكر مدير شئون العاملين .. بالذهاب الى مكتبه .. وبعد أن جلس الى مكتبه وسط اندهاش كل من حضر الى العاملين بالمكتب . أخرج طلب النقل من جيب سترته . وأعاد قراءته فى تأن . ثم أخرج قلمه .. وكتب موافقته على النقل وحوله إلى السيد مدير الفرع ملتمسا منه الموافقة على النقل وبدون بدل . ببعد أن حادثه حسام ليلة أمس لم يصدق نفسه . إلا انه بعد أن فكر  قليلا .. اهتدى الى ضرورة أن يكون الزوج قد علم بأمر زوجته وسلوكها مع مدير الفرع . وأن طلب النقل ما هو الا مخرج من المأزق الذى وجد الجميع أنفسهم فيه . وبينه وبين نفسه وجده مخرجا مناسبا بدون شك .. ويريح جميع الأطراف بدون شوشرة وبلبلة قد تصيب الجميع . حقا إنه من البداية لم يكن مستريحا لما وصلت اليه الأمور بين سهام والمدير ... ولو كان يدرى إنها ستصل إلى ما وصلت إليه ما ساعدها فى الوصول إليها وما قدمها له إطلاقا . فليس على أخر العمر يصبح قوادا وإنما كانت نظرته إليها على أنها يعنى حاسه بجمالها حبيتين وده اللى مخليها واخدة بالها من نفسها شويتين . ولن تزيد العملية عن كلمة طيبة من هنا على ضحكة من هناك . فزوجها رجل يجمع الناس على أنه انسان محترم ومن غير المعقول أن تكون زوجته غير محترمه . كما أ ن أجمل منها يتمنين زوجها هذا ومركزه واحترامه . ثم ايه اللى يخلى دكتورة صيدلانية مفروض أنها محترمه . تخون زوجها وتسلك سلوكا بطالا . ايه اللى ناقصها . لا مال ولا جمال ناقصينها . فى داخله لم يكن قط مستريحا لما وصلت إليه هذه العلاقة . إلا أنه لم يكن يستطيع أن يظهر إعتراضا.. أو حتى يبدى أنه فاهم لما يجرى من حوله . كل واحد يتعلق من عرقوبه والريس عرقوبه جامد وأن ما ليش عرقوب. عند ذلك .. لمح السيد / مدير الفرع يدخل مكتبه المقابل له . فانتظر قليلا .. حتى يترك له الفرصة للجلوس الى مكتبه ويشرب قهوة الصباح . ثم دخل عليه . وبعد التحية . قدم له طلب النقل وبسطه أمامه .. لتسهل قراءته . فجرت  عليه عينا الرجل بسرعة . حتى إذا أدرك ما فيه قال له مندهشا:


- ايه .. ده ؟!


- طلب نقل من الدكتورة سهام .


- ايوة .. أنا عارف .. قريته .. ليه ؟!


- لا شىء . زوجها اتصل بى ليلة الأمس وقال لى إنها عايزة تنتقل علشان تبقى مع الأولاد لأنهم مش عارفين يعيشوا لوحدهم هناك .


- وهى ؟! ألم تحدثك ؟! ومن كتب الطلب .


- لم تحدثنى ولكن الخط خطها .


- يعنى ايه .


 قال الرجل ذلك وهو ينظر الى مدير شئون العاملين الذي أخذ يرمقه من أسفل نظارته الطبية. فلما تلاقت نظراتهما أخفض المدير عينه وصمت قليلا.وهو يأتي بحركات عصبية من يديه وفمه..وعينيه ثم أخيرا.. نطق قائلا .


- وانت شايف أيه.


- اللى تشوفه سعادتك .


فقال له بعصبية زائدة


- يا أخى أنا بقول لك انت شايف أيه؟!


- وافق سعادتك


فرمقه بحدة..فرد عليه الرجل بنظرة كأنه يقول له :-


- إنت عارف وأنا عارف..وافق وخلصنى...


ثم قال بصوت عالى:


- أنا شايف إن دا أحسن حل ...


- لم يتركه يكمل حديثه


- خلاص ..خلاص..هاتعملى فيها أبو العريف.


وأمسك بقلمه وحرر موافقته.وأعطى الورقة للرجل..الذي بمجرد أن خرج من المكتب ..وجد عاملة الصيدلية.فى انتظاره فأعطاها الورقة.وجلس إلى مكتبه لحظات..يلتقط فيها أنفاسه .تفكر برهة ..هل يعلن بالمكتب أن الدكتورة سهام انتقلت إلى العاصمة ..أم ينتظر حتى تحضر الموافقة.إلا إنه في نهاية الأمر ..فضل أن ينتظر.أخذ نفسا عميقا..تطلع حواليه لحظات .لاحظ أن الزملاء ينظرون إلى المكتب التى تشغله الدكتورة سهام - الذي كان خاليا- منذ انتقلت إلى حجرة مديري الإدارات بالفرع .بالرغم من إنها لا ترأس أية إدارة.ودار همس بينهم وصل إلى مسامعه.


- هيه سهام مش جاية النهاردة ؟!


كأنه لم يسمع شيئا ..أخذ يقرأ فى الملف الموضوع أمامه على المكتب.


 


 


-13-


كما رتب حسام بالضبط..قبل الثانية عشرة ظهرا كان بالعاصمة...ومباشرة إلى المركز الرئيسي بشركة زوجته .وفى مكتب مدير عام شئون العاملين لاحظ.. تكاسلا فى الإجراءات فانتحى جانبا ..وهاتف مسئولا كبيرا فى الحزب بالقاهرة .فطلب منه الانتظار أمام مكتب رئيس مجلس الإدارة لحظات.وبالفعل لم تكد  تمضى دقيقتان حتى وجد من يناديه بالاسم .ليدخل مباشرة الى رئيس مجلس الإدارة الذي طلب من شئون العاملين إعداد خطاب بالموافقة فورا.وما هى الا دقائق معدودة ..الا وكان حسام يغادر مقر الشركة ومعه الموافقة على اتمام النقل وفى المكان الأقرب إلى سكن الأولاد.توقف لحظات يفكر فى خطوته القادمة فى العاصمة.ثم اتصل هاتفيا بابنه الكبير هشام وعلم منه انهما بالسكن فطلب منهما أن ينتظراه وأنه سوف يحضر لهم معه وجبة غداء.واتجه إلى السيدة زينب حيث يوجد مطعم كباب تعود كلما وصل إلى القاهرة أن يمر عليه ويتذوق من طعامه اللذيذ.وطلب إعداد وجبة سريعة..وفى خلال نصف ساعة كان يتجه الى سكن الولدين..حاملا الطعام ..وصنفين من الفواكه..وبعض المشروبات الغازية.وجلسوا يتناولون الغداء الولدان فى مواجهته على طاولة الطعام .مبديان انشراحهما من المفاجئة.والوجبة الشهية..ويتبادلان النكاتوهو فى حالة صمت تام..يرقبهما ..كما لو كان يراهما لاول مرة.. اخذ يتامل ملامح كل منهما على انفراد ..ويفكر..ترى اى منهما ابنه..واى منهما ابن رجل اخر؟! ام ترى ان زوجتة لم تكن تعرف احد قبل انجابهما سواه.ثم اخذ يقارن بين ملامحهما ..وهل يشبهان بعضهما بعضا ام ان هناك اختلاف بين ملامحهما ؟! الا ان وصل الا شبة يقين بان ملامح الولدين لا تخرج كثيرا عن ملامح اسرته وانهما يكادان يتشابهان الا قليلا.فطرد هذة الفكرة من راسه تماما.لاحظ الولدين شروره وهو جالس امامهما..بل انهما لاحظا اكثر ..انه لا ياكل كما ينبغى ..وكما يعرفان عنه..سريعا..وفى لحظات يكون قد ادرك الشبع .اما الان فهو يلوك طعامه ببطئ ..وفى حاله شرود ذهنى كامل ..حتى قال له هشام ابنه.


ـ مالك يا بابا


انتبه لنفسه ..على السؤال .


ـ ايه فى ايه..مافيش ..لم انم ليله الامس.


ـ ايه يا عم كنت قلقان علشان ماما هاتوحشك الكام ساعه اللى هاتسافر فيهم .


ابتسم ابتسامة باهتة


ـ ماما..آه .على فكره ..هى بتفكر تيجى تقعد معاكم هنا.ايه رأيكم .


ـ ياه يا بابا .هكذا قال الاصغر سامى.


ـ ايه مش عايزينها.


ـ مين قال كدا ..اقل ما فيها نبطل اكل السندوتشات والمطاعم اللى وجعت بطونا.


ـ الا صحيح..بتاكلوا ازاى.


ـ سندوتشات معظم الوقت.


انفطر قلبه على حال الولدين .. فلم يسبق له أن جلس معهم هذة الجلسة ....... وسألهم عن أحوالهم وكيف يعيشون . كان كل مرة يأتى  الى العاصمة .. يطلب واحدا منهم المقابلة فى اقرب مكان له .. ويعطيه ما يطلبوناه من نقود .. ثم يتناولان اى وجبة سريعة ليعود بعدها الى أخيه . حتى فى أجازة الصيف عندما يقضونها معهما .. فهما ينامان طوال النهار .. وسهارى طوال الليل .. ونادرا ما يراهما . حتى أنه فى أحد الأيام قال لهشام أبنه .


ـ يا بنى أنا كنت بشوفكم أيام الدراسة أكثر من أيام الأجازات . وبعد انتهاء الغذاء .. اتجه الى حجرة النوم .. واستلقى بجسده على احد الأسرة . وبعد دقائق لم يع بحاصوله . حتى أيقظه ابنه سامى . بعد اذان المغرب . وبعد أن افاق .. وشرب كوبا من الشاى أعده له هشام .. المتخصص  فى اعداده .. ارتدى ملابسه . جلس اليهم قائلا :


ـ هيه يا أولاد . ان شاء الله ماما احتمال تيجى من بكره .


ـ الله .. ده انت بتكلم بجد جدا يا بابا . هكذا قال سامى .


ـ ايوه .. يابنى .. انا خلاص .. خلصت لها طلب النقل النهاردة


  فقال له هشام .. الذى احس .. أنه ربما يكون هناك شيئا ما بينهما .


ـ بابا .. هو فيه حاجة بينكم .


ـ ايه اللى يخليك تقول كدا .


ـ يعنى ..لا احنا أول العام الدراسى ... ولا احنا طلبنا منكم الموضوع ده . وفجأة كده تيجى مخصوص علشان تخلص لها طلب النقل وتيجى تزورنا لأول مرة من يوم حضورنا الى هنا . كل ده .. بيخلينى اسأل حضرتك هو فيه ايه ؟!


انتبه سامى ايضا الى كلام اخيه .. حيث كان يأخذ الموضوع من البداية بشكل مرح .


ـ صحيح يا بابا .. فيه ايه . قال حسام لنفسه


ـ الأولاد باين عليها كبرت .


ثم رسم على ملامحه طابعا جادا . وقال :-


ـ اصل أبوك عايز يتجوز على أمك .


فلم يتقبل الولدان.. هذا الهزل . ولا بالصمت . فصاح بهم ضاحكا .


ـ أمرك غريب يا أولاد حسام . أقول لك أمك جايه تعيش معاكم علشان تعرفوا تاكلوا وتشربوا تزعلوا . طيب جايه علشان تقعد لكم زى شيخ الغفر هنا وكل شوية تقول لكل واحد ذاكر يا واد علشان ابوك كبر وما عدش قادر يصرف عليكم . وخلصوا بقى قبل ما تخلصوا على أبوكم .


لم يستوعب الولدان الموقف .. ولم ويبد عليهما السعادة لحضور أمهما اليهما .


ـ طيب مادام مش عاجبكم حضور أمكم .. أكيد ها يعجبكم سفر أبوكم . هيه . وهم واقفا  .. حتى يلحق بآخر قطار . منهم الولدن بمرافقته الى الخارج لكنه رفض .. قائلا :-


ـ انا عارف طريقى كويس .. السلام عليكم .


بعد ما استقر المقام لسهام مع ولديها بالعاصمة ... وبدأت على تعتاد حياتها .. الموزعة بين العمل .. والتزامتها المنزلية تجاه  الولدين  أخذت تعتادها ..... وتؤقلم نفسها عليها . حقا احست بالفارق الكبير بين ما كانت عليه .. وما أصبحت تعانى منه . الا إنها وجدت لديها الوقت لتجلس الى نفسها أحيانا .. وباقى الأحيان تقضيه أمام التليفزيون حتى تخلد للنوم . فى البداية .. كانت نظرات الولدين المستطلعة والمستفسرة تلاحقها . لم تكن تستطيع أن تواجهها .. فكانت تدعى الإنشغال بإى شىء . حقا صمدت له أنه لم يخبرها بأى شىء بل أن حضورها بإرادتها الحرة وحرصا على مستقبلهما .. إلا أن ذلك لم يمنحها أن تستنزل عليه حام عقبها .. مدعيه أنه السبب فى كل ما وصلت اليه .. وما هى عليه الآن .. فى أحايين كثيرة .وفى قليل من الأحايين تلوم نفسها .. إذ انساقت وراء نزوات ما كانت بالجامعة وما كان أسهل التغلب عليها بقليل من الإرادة . وأنمه ما كان يستحق منها أن تفعل به ذلك . إلا ان الأمر الذى استقرت عليه نفسها .. هو حرصها الشديد على عدم اى انفاق اى مليم من دخلها الخاص على المنزل . فهو المسئول على اعالتها هى وولديه ... من كافة شىء .. يكفى ما تنفقه فى المواصلات يوميا ززاهية وعائدة من العمل . وعلى ذلك كانت حريصة كل الحرص . قبل أن ينفذ ما أرسله من أحوال مخصصة للمصاريف .. أن تطلب من ابنها هشام ان يتصل بوالده ليرسل غيرها . ولا يعنيها من بعيد او قريب .. ان كانت المصاريف كثيرة .. أم قليلة . متوافقة وقدرته .. أولا تتوافق . كل ما يعذبها هو أن يكون لديها من النقود ما يسمح لها بالإنفاق حسب ما ترغب وفى الوقت الذى تريد . دون أن تلجأ الى مالها الخاص .. حتى ولو الى حين وصول المال الذى يرسله . الأمر الذى كان يضايق حسام كثيرا . الا أنه لما يمنعه من أن يرسل كل المطلوب وفى الوقت المناسب . خشيه أن تأتى هى بنفسها اليه . أو ترسل أى من الأولاد . الأمر الذى ولد لديه إحساسا بأنه لم يعد يمثل لها وللأولاد إلا مصدرا للإنفاق عليهم . وفقط . كما أنه تصور أناه بانفرادها بالأولاد .. سوف تزرع فيهم مفاهيمها وأفكارها فى الحياة .. وسف يتأثران بأسلوب حياتها . مما سيزيد من الهوه التى تفضل بينه وبين ولديه بسبب إغترابهما الطويل عنه . وترقب أجازة منتصف العام الدراسى .. لدى ماذا ستفعل ؟! هلى ستحضر الولدين وتأتى لقضائها معه ؟! أم ستبقى هناك وتبقيهما معها بحجة أناه لديها عمل ولا تستطيع أن تأخذ أجازة . وكان ما توقعه إن بقيت وابقت الولدين معها .. واقنعتهم بذلكك بحجة أنهما لن يجدوا من يعد لهما الطعام .. ويرعاهما . ولما سألها ابنها سامى :-


ـ وبابا .. دى الوقت .. بياكل ازاى ؟!


اجابته بكل سخريه واستهزاء


ـ عندما تقابله .. عليك بسؤاله . ولا تنسى أن تقول لى .. ولم يعجب الولدان طريقة كلامها عن ابيهما . لكنهما لم يرغبا فى إثارة مشاكل معها .. وخاصى أنها التى أمامهما الآن . وان تبقيا أن هناك شيئا ما .. كبيرا .. بينهما .


وانتظر حسام .. أجازة الصيف .. الا أنه تكرر ما حدث فى عطلة منتصف العام .وعلى ذلك فقد وطن نفسه على الرضا بالأمر الواقع . وإن لجأ لطريقه لم يكن يرغب فى اللجوء اليها .فقد كان كلما تطلب الأمر سفره للعاصمة .. يتصل بابنه هشام لمعرفة ان كانت بالبيت أم لا .. وموعد عودتها ان كانت فى العمل .. ثم يذهب الى لقائها .. أو يطلب لقائهما خارج المنزل حسب متطلبات الظروف . فى أول مرة . انتابه احساس بأنه يتعامل معها بدونيه يأباها على نفسه .. فهو والد الولدين .. ومن حقه بل من واجبه أن يراهما .. ويتابعهما . وكمان حريا بها ان تساعده فى ذلك من تلقاء نفسها .. إما أن تلجأ لهذا الأسلوب للضغط عليه .. فلن تصل الى اى نتيجة مرجوة . وكان يثور على نفسه أحيانا .. لقبوله هذا الأمر الدونى . الا أنه يتغلب فى النهاية على مشاعره الثائرة بغضب .. معللا بأن المهم ألا يتعجز صراع بينهما أمام الولدين يؤثر على نفسيتهما وبالتالى على مستقبلهما . ومتجاهلا تماما أن الولدين يلحظان الصراع المكتوم الذى يجرى بينهما . وبالرغم من احساس حسام بأن الشىء المادى ازداد عليه ثقلا .. وأنه اصبح غير قادر على ملاحقة متطلباتها والولدين . وخاصة أن مصروفات الجامعة الخاصة بعشرات الألوف كل عام لكل من الولدين . صارح هشام ابنه يوما وهو معه فى القاهرة .


ـ يابنى حاسبوا فى  المصروفات شوية .. وقل لأمك ذلك .. لم يعد لدى المقدرة على مجارات المصروفات بهذ الشكل . وقد يأتى الوقت الذى أتوقف فيه عن الاستمرار بهذا المستوى .


ـ والله يا بابا .. انا شاعر بيك .. لكن مش عارف أقول ايه .. عموما . فاضل لى السنة القادمة  فقط وانهى دراستى .. ويخف الحمل عليك على الأقل للنصف .


ـ ماشى يا بنى .. بس كدا حرام خالص .. لم يعد لدى الصحة التى تساعدنى .. على الاستمرار بهذا الشكل ده انا طول اليوم وحتى منتصف الليل خارج البيت لا أذهب الا للنوم فقط .


ـ ومن يعد لك طعامك .


ـ لا احد .. تارة أكل فى المطعم .. وتارة أكتفى باى وجبه خفيفه فى الصيدلية .. وآهو بتعرى . والسلام .


نظر هشام  لوالده فى شفقه .. ولاذ بالصمت .


بعد ما سرى بين أهله .. ان زوجته ذهبت للمعيشة مع الولدين ثاؤتأمه فى البداية .. عليه عندما زارها بعدها :-


ـ كيف تتركك لوحدك .. وأنت صاحب مرض .


ـ هى لم تتركنى .. أنا اللى طلبت منها كده .. علشان مصلحة الأولاد .


ـ وانت مصلحتك فين .


ـ بالنسبة لى ما فيش مشكلة .. هى الحكاية لقمه .. آهو بتتقضى بأى شكل .. وآهى أيام بتعدى حتى ينتهى الأولاد من دراستهم .


ـ كلامك ده عمره ما يدخل لى دماغ .


ـ قصدك ايه .


ـ هو فيه حاجة بينكم يا بنى .


وها يكون فيه ايه يا ماما بس . انت بتكبرى الموضوع ليه . الموضوع فى غاية البساطة .


ولأنها تعرفه جيدا .. ابن بطنها كام دائما تدعى . وان سره لا يخرج بره صدره .. سكتت .. وخاصة أنها أدركت أناه لن تستطيع أن تغير من الأمر شيئا . الا أنها فى نهاية الحديث قالت له .


ـ خلاص . ابقى تعالى اتعذبى معانا كل يوم .. سوف احتفظ لك بغذاك ... فى اى وقت تعالى لتأكله .. أو خذه معاك البيت


ـ لا .. سيبيها بظروفها .. عندما أجد الفرصة سوف أمر .. أتغذى وأنزل .


وملات أن مر يوما بعد هذا الحديث بما يتجاوز الأسبوع .. وتوقف لمدة شهر .. ومر يوم آخر ولما رأت والدته ذلم .. كفت عن الاحتفاظ بغذائه . وقالت فى نفسها .


ـ هو .. ونصيبه بقى .. هو اللى جابه لنفسه .


الا أنها طلبت من أخيه حاتم .. أو اخته حنان أن يتصلا به بين الحين والأخر ويدعوانه على الغذاء .. وأكدت على حنان بالأكثر .. نظرا لوجود صداقة بين زوجها وبينه من قبل زواجه بأخته . وهو ما كان يحدث أن يتصلا به ويلحا عليه .. مرة يستجيب وأخرى لا . هذا وقد طلبت منه والدته .. أن يحضر لها ثيابه التى يرغب فى تنظيفها .. لتضمها الى ثيابهم عند الغسيل . الأمر الذى كان يستكثره . مدعيا أنه لا يتعب فى شىء . فهو يضع الغسيل فى الغسالة ويخرج منها غير محتاج إلا للنشر لتمام التجفيف . وبمرور الأيام .. اعتادت والدته .. على هذا الأمر واعتاد اخواه كذلك .. وارتاح هو لاعتيادهم عليه وأصبح من نفسه كلما شعر بالرغبة فى أكلة جيدة .. يتصل بوالدته .. أو أى من أخويه . ويعلمه بحضوره على الغذاء . الا فى المناسبات والأعياد . فكانت تطلب من الوالده الحضور عندها .. لأن كل الأخوة يتجمعون أيضا عندها .. كما عودتهم .


أنهى هشام دراسته فى كلية الهندسة . وانتظر حسام من أن يحضر للإقامة معه . إلا أنه حضر اليه يطلب منه السماح له بالبقاء فى العاصمة مع أمه وأخيه .. حيث اعتاد على الحياة هناك .. كما أنه سيكون عبئا عليه .. فمن سيعد لهما الطعام ويؤدى عنهما شغل البيت ........ من تنظيف للشقة وغسل للثياب وما الى ذلك . ثم ماذا سيفعل الى أن يحصل على عمل . هل سيمكث فى البيت طوال الليل و النهار . فقال له والده :-


ـ تعالى الى الصيدلية .... وباشر شئونها فترة غيابى .


ـ وانا مالى انا والصيدلية .. أنا خريج هندسة .


لم يجادله حسام طويلا .. فقد أدرك أنه أتى اليه بأفكار والدته .. ليقنعه برغبته فى البقاء معها . فاستسلم للأمر الواقع ... مبررا ذلك لنفسه بأنه فعلا كان سيكون عبئا ثقيلا عليه ...... وقيدا على حركته ... مما اعتاد عليه . فسعى لدى أحد معارفه من المسؤلين الكبار فى الحزب بالعاصمة .. ليعاونه فى تشغيله فى إحدى الشركات . وما هى إلا أشهر معدودة .. ألا وكان هشام يباشر عملا فى احداها . براتب معقول كبداية  وعندها تنفس حسام الصعداء . قائلا لنفسه .


ـ آهو هم وانزاح عن كاهلى . فعلى الأقل لن أدفع له مصاريف الكلية كل عام .. وراتبه على الأقل يكفيه كمصروف يد . الى أنه ما إن أتى أول الشهر إلا ووجده يطلب منه أن تستمر المصاريف بشكل عادى حيث ينوى أن يدخر لنفسه من راتبه .. ما يساعده على الزواج فى المرحلة القادمة . فقال حسام لنفسه .


ـ والله ان كان ذلك هو المقصود فعلا ..فلا مانع . وكله فى الأول والأخر ذاهب اليه .


ومنى النفس .. بأن يحزوا أخوه سامى حزوه .. حيث يتبقى له عامان دراسيان . ربنا يقدرة خلالها على الوفاء بالتزاماته نحوه خلالهما . حيث بدأ فى قراره نفسه يشعر بأنه قد كبر فى السن فعلا .. وصمته لم تعد تساعده على هذا العناء الشديد بين عملين كلاهما مجهد و مغنى وخاصة أنه قد تجاوز الستين من عمره. وبعد صلاة جمعه .. مر على منزل الوالد .. حيث كانت الوالدة قد اتصلت به فى الليلة السابقة .. وطلبت منه الحضور للغذا حيث أنها ستعد له وجبه يشتهيها وبعد أن تناولوا الغذاء . ودخل والده .. يستريح قليلا كما اعتاد بعد الغذاء كل يوم . وبيقيت أمه معه .. وها هى الى سويعات حتى سمعا صوتا .. كأنه مكتوم . تشككا فى البداية فى أن يكون صادرا من حجرة الوالد . ألا أن الصوت تكرر بعد لحظات .. فأسرعا معا اليه . فوجداه يضع يده على قلبه ويتألم .


ـ مالك يا حاج .. مالك .


ـ سكاكين فى قلبى  .


فأدرك حسام أنها أزمة قلبية فسارع بالإتصال بطبيبه المعالج .. فلم يجده ... فما كان منه إلا أن طلب سيارة إسعاف .. فأتت بعدما لايقل عن نصف ساعة . وحملاه الى المستشفى . وقبل أن يصلا اليه .. كانت روحه قد فارقت جسده صاعدة الى بارئها .اهتز حسام بشدة .. لهذا الحدث . فما كان بينه وبين والده .. لم يكن كما بين بقية الأباء والأبناء . فلقد كان منذ شب عن الطوق ... راسما لنفسه وضعا مستقلا .. رافضا أن يفرض عليه أحد اسلوب حياته . حتى عندما طلب منه المواظبة على الصلاة . افتعل منها قضية جدلية وقال له .


ـ  لقد كبرت .. ولم أعد قاصر .. واتحمل مسئولية اعمالى وعلى ذلك فإن صلاتى لى .. و أعمالى لى .. أو على ولم يعد مطلوبا من أحد أن يفرض على أى شىء أدرك الوالد ساعتها. أن أبنه بذلك قد أكمل بناء الجدار العازل بينهما . فاستقرت نفسه على الا يطلب منه بعدها شيئا ... ويتركه فى شأنه طالما أنه يرى فى نفسه أنه قد أصبح رجلا ... ومسئولا على تصرفاته فليتركه وشأنه مسئولياته . حتى أنه يومها شكاه لأمه ليلا وهما فى الفراش .. حاكيا لها ما قال له . فما كان منها ألا أنها بادرت بالدفاع المستميت عن ابنها قائله .


ـ هو حسام لسه صغير .. سيبه فى حاله .. ربنا يكون فى عونه .


فنظر اليها مستنكرا ردها . ولاذ بالصمت وقد استقر فى نفسه ما وطنها عليه .. وعلى ذلك لما يتدخل له فى أمر من الأمور .. حتى فى زواجه .. طلب منه الحضور معه للإتفاق وقراءة الفاتحة .. وعندما سأله .. هل سنتفق على كل شىء ؟! وماذا يريدون .. وماذا تريد أنت ؟! قال له :-


ـ أنا وهى متفقان على كل شىء .. وستكون قراءة الفاتحة على ما اتفق عليه .


فالتزم بما قاله له .. وكم يريد أن يعكر عليه فرحته .واستمر الحال على ذلك الى أن حدثت مشكلة زوجته .. وما كان منه إلا أن أخبره بما سمعه . وطلب منه التصرف بحكمة .. ودعا له من قلبه فى صلاته أن يوفقه الله ... الى الخير وفى الأيام التى تلت ذلك كان كلما رأى والده .. شعر بأن الرجل مهزوز من داخله من أجله .. ألا أنه مسيطر تماما على أحاسيسه الداخلية .. ولكن ذلك على حساب صحته وأعصابه . كان يشعر به جيدا .. ولكنه لم يستطع أن يفعل أى شىء له حيال ذلك . وهذا ما أثر فى نفسه بشده .. حتى أنه فى قراره نفسه .. كان موقنا أن والده مات مكلوما .. بسبب ما حدث له .. ومعه . وما هى إلا ستة أشهر .. لا تزيد .. حتى انهارت والدته فجأة .. ولحقت بوالده .. كأنها رفضت أن تستمر ف الحياة من بعده  . وكانت اللطمة هذة المرة قوية بالشكل التى انهارت معه كل مقاومه ابراها حسام .. التى عندما يجلس اليها .. يشعر بالسعادة والوجود .. وعندما يخرج من عندها .. كأنى اغتسل من كل ما كان يكدر صفوه .. ويعكر حياته .


انهار .. حسام .. وسقط مصابا .. بأزمة قلبية . نقل على آثرها الى المستشفى .. حتى تماسك .. وفضل البقاء بالمستشفى حتى يشفى تماما قبل عودته للمنزل . متى سيفتقد من يرعاه هناك . وأتاحت له الفترة التى قضاها طريح الفراش .. إن يعيد حساباته مع نفسه بهدوء وروية فلم تعد الحياة تستحق كل هذة المكايدة . وما عاد عليها بقادر وغادر المستشفى الى منزله .. حاملا قدرا كبيرا من المرارة .. كأنه .. جلبه معه من هناك . أخذ حسام يقلب فى قنوات التليفزيون .. دون أن يستقر على أحداها. وعندما شعر أكثره .. ببرودة الجو .. احكم من تغطية نفسة بالأغطية . ثم أغلق التليفزيون .. وابقى على المصباح بجانبه مرسلا ضوئا هادئا . أغمض عينيه . أراح رأسه على الوسادة خلف كاهله .


ـ ها أنت بعد ما بلغت الثالثة والستين من عمرك .. وأصبح لديك .. رجلان .. صرفت على تربيتهما دم قلبك ., ترقد مريضا .. وحيدا . لا تجد من يناولك كوب الماء .تساءل فى حسره .


ـ هذا هو حصاد عمرك يا حسام ؟!!


احس بمرارة شديدة فى حلقه . خواء فى وجدانه . لست أدرى على وجهه اليقين .. هل ما وصلت اليه الآن .. كان هو النتيجة الطبيعية لتعرفاتى ؟! وبالتالى هل الحصاد من جنس العمل كما يقولون ؟! لكن ماذا فعلت فى حياتى من أخطاء استحق عليها هذا الحصاد ؟!


لم أمد يدى على ما ليس لى . لم اهتك عرضا ... لم أسرق مالا من أحد .. لم أرتش ... لم .. ولم .. ولم . هل سأعدد لنفسى ما فعلته خلال حياتى .


ـ فماذا كانت زوجتى .. هكذا ؟!!


آه .. ألم تكن إختيارى .. الى .. لقد رفضت زيجات كثيرة عرضها على ابى .. وأخرى أكثر عرضتها على أمى  .. واخذت لنفسى . آه .. إذا على أن اتحمل نتيجة اختيارى . لقد طلبت الجمال .. وكان لى ما نشدته . لو كنت طلبت ابنه أحد العائلات المحترمة والمعروفة فى المدينة . لكانوا رحبوا بى . وكنت حصلت على الأصل .. والجاه . لكن هل خطأ واحد .. أو وحيد .. كفيل بهدم كل الجروح الشامخة ؟! هل هذا من المنطق ؟! أو حتى من العدل ؟! كثيرون يخطئون فى بداية حياتهم .. ولا تكون نهايتهم هكذا !! أحس بضوء النهار يخترق .. خصص النافذة . أطفأ المصباح .. تمدد فى الفراش . اعترته رغبة عارمه  فى البقاء بالمنزل . ماعاد  لديه اى رغبة فى الخروج .


ـ لن أذهب لا الى الحزب .. ولا الى الصيدلية . فى الجدوى التى أدركتها وراء ذلك ؟! أحس بمعدته خاويه .. قرصه الجوع . لكن نفسه تعاف الطعام . ما عاد لديه رغبة فى تناول اى شىء . وجد لذة غريبة فى الاستسلام لما تهواه نفسه .. ولما بداخله من استكانة .. وزهد ع كل ما حوله . فاستكان تماما لها . وقاوم كل ما عاداها من أفكار ورغبات انتابته لحظات وولت هاربة . لتتركه مع ما يهواه ... من سكون ودعه . ورويدا .. رويدا .. وكأن عقله قد عف هو الأخر التفكير فى أى شيء . فازداد استسلاما وركونا الى ما هو فيه . فما دام شقاء العمر . انتهى الى هذة النتيجة . فلماذا كان الشقاء من البداية . توقف عن رسم الشخصية التى كان حريصا على تعمقها . توقف على أن يحلم لنفسه بأى شيء ماتت فى داخله كل الرغبات .. انهارت كل المقاومات . أصبح أنسانا لا يريد شيئا .. ويأمل فى ألا يريد أحدا منه أى شيء .. لأنه لم يعد قادرا على العطاء . بل ولا حتى على الأخذ بقى فى المنزل أياما .. ساكنا .. مستسلما .. لاستكانته كارها كل ما عداها . حتى رنين الهاتف .. لم يستجب له . بل كان يشعر أنه يكدر عليه صفوه . وفكر فى نزع سلكه من الحائط وقنع بما هو كائن . طالما لن يحرك ساكنا . إنها متعه لا تقاوم .. اين كانت قبل ذلك ؟! لماذا لم أصل إليها من قبل ؟! سمع تركا شديدا على الباب . بدى منزعجا ف البداية .. لكن رغبته في عدم التحرك .. جعلته يستمرىء سماع الضجيج  . أخذ الطرق يزداد .. وأصوات تعلو مناديه إياه. طال الطرق .. دون استجابة . اشتد الطرق .. تحول الى دفعات قوية على الباب .. الذى كان موصدا بشكل جيد كما كان متعودا أن يفعل كل ليلة سمع بعد قليل .. صوت أزير .. آله يستعينون بها لفتح الباب ..بعد دقائق .. اقتحموا الباب عليه . دخلوا مهرولين الى حجرة الى حجرة نومه . يتقدمهم أخوه حاتم وأخته حنان وزوجها . وجدوه ممددا .. على الفراش . مفتوح العينين . وقد طال شعر رأسه وطالت لحيته .. وهزل بدنه . ناداه حاتم .


ـ حسام .. حسام .


لم يكلف نفسه عناء الرد . ضربت أخته على صدرها بيمناها .


ـ ده باين عليه .. مات . وأصدرت صراخا مدويا . اقترب منه حاتم .. مد يده على جبينه .. وجده .. دافئا . وحدقتا عيناه تتحركان .


ـ ده لسه حي ... اطلبوا الإسعاف .


قاوم كل محاولة لنقله .. لتحريكه من مكانه . رفض الرد على كل من يحدثه . حملوه رغما عنه .. نقلوه الى المستشفى. بقى أياما ثلاثة فى غرفة العناية المركزة . وخراطيم وأنابيب معلقة في أوردته وشرايينه .. يشعر منها بآلام مبرحه . مرات كثيرة حاول نزعها .. ليتوقف الألم الذي يشعر به .. منعوه بالقوة وقاموا بتثبيتها حتى لا ينزعها وهو وحده وشددوا عليه المتابعة من الممرضات . استسلم أخيرا لإحساسه بالألم .. وما عدا يحاول نزعها . لم يعد يدرك تماما ما يجرى حوله . فقد غاب عن الإدراك . لن تعد عيناه تتحركان لمتابعة ما يفعلان به . أو ملاحظة من يترددون عليه .


وبعد أيام قليلة أو كثيرة .. لا يدرى . أحس بالسكون السرمدي