رواية فى ظلال الآخر








أدب الجماهير


 


تأسست عام 1968


 


الإبداع طريق التقدم


 


كتاب أدبي يشرف عليه:


فؤاد حجازي


 


المراسلات :


المنصورة


ش .د. سيد أبو العينين


 عمارة الفردوس


جوار مدرسة الشيخ حسنين.


الرمز البريدي 35111


ت : 2247168 / 050


 


 


في ظلال الآخر


-1-


 


اليوم..يوم غير عادي. حيث انه نهاية مرحلة.. وبداية أخري  جديدة تماما. انتهت حياتي العملية.. بعد إحالتي إلي  التقاعد. وأصبح لزاما  علي البقاء في البيت أطول وقت ممكن . البيت الذي من المفروض أن يكون أمني وأماني وعشي الهادئ كيف  سأقضى فيه  كل الوقت الذي ينتظرني؟! كيف سأبقي ووجهي في وجهها ..كل ما تبقي لي من حياتي ؟! تاركا  الأخرى في الظل..وهي الأولي والأحق .. أن تكون معي كل الوقت . وأنا  الذي كنت أهرب من وجهها  فيما مضي.. لبيتى الآخر.. متعللا بمبررات وحجج أبدعت في  اختلاقها بكل ما أوتيت من خيال وقدرة علي الاختلاق.. ولم يعد لدي منها المزيد. ثم لماذا أعيش لأكذب وأكذب لأعيش ؟ من حقي  كانسان ان أعيش حياتي كما ينبغي لمثلي أن يعيشها محترما وقورا .هانئا سعيدا بأولاده من حوله..ناعم البال بما وصل إليه بعد هذا المشوار الطويل.لا أن ينظر إلي حياته من خلفه  نافرا منها مشمئزا من كل ما حدث له فيها. شاعرا أنه  بعد كل هذا العمر .. لم يعش حياته….لم يفعل فيها ما كان يتمني أن يفعله . أن يجني من الثمار ما كان  يأمل أن يجنيه  . أن يربي  أبناءه  كما  كان يرجو ويتمني . أن يجعل منهم  أثرا لرجل  كانت أحلامه عظاما.. وأماله  عراضا. لا أن يجلس هكذا في نهاية رحلته العملية  وبعد أن قال  له الجميع كفاك . يشعر بالمرارة .. لماذا ؟ لأنه يشعر في  قرارة نفسه أنه ما كان  يأمل أن يكون النبات الذي غرسه بيده وتولاه بالرعاية  قدر الإمكان ..ونما تحت عينيه..وشب وترعرع في بيته تحت جناحيه  .. وأثمر .. وأينع ولكن للأسف فى بعض الأحيان لم تكن علي المستوي الذي كان يأمله ويتمناه  . حقا  ربما لم أكن أنا  السبب الرئيسي أو الوحيد في ذلك.. فهي شريكتي في الحياة .. ونصفي الآخر.كما  هو مفروض وواجب. كانت وراء  ذلك كله .وعندما أجلس الآن وأسأل نفس السؤال الذي  سبق وان سئلته كثيرا .. لماذا أبقيت عليها شريكة لك في حياتك ما دمت لم تكن  متوافقا معها ؟! وخاصة أنها  شراكة حياة  إنسانية طويلة وحافلة …لا شراكة عمل  ينتهي في لحظة.. وبقرار  سهل وبسيط ولا يترتب عليه الا خسائر مادية طفيفة كانت أو بليغة لكن في أغلب الأحوال..مهما كانت الخسائر فيمكن لأي من الشريكين عندما يختلف أي منهما مع الآخر أن يصلا إلي نقطة تفاهم وكل يذهب الي حال سبيله . لكن الحياة الإنسانية وخاصة عندما تكون الشراكة هنا بين زوج وزوجة . وبينهما أولاد فإن الأمر يختلف كل الاختلاف . فإذا لم يكن اختيار الشريك من البداية جيدا .. فغالبا ما يحدث ما قد حدث لي. وإذا لم يكن الاختيار والانتقاء من البداية موفقا فلا يعرف المرء منا..ولا يمكن أن يتوقع المسئول عن سوء الاختيار...نتائجه..فلا أستطيع أنا أن أجزم أن الاختيار  مسئولية الرجل وحده. حقا إنه الذي يجب عليه أن  يقرر ويتقدم إلى من يراها الأنسب والأفضل  لمشاركته في رحلة الحياة.. لكن وبنفس القدر من المسئولية .. ألا يجب علي  شريكته إن وجدت على سبيل الافتراض أنه ليس أهلا لها ..أو أنها لم تستطع أن تصنع حياة مستقرة مع الشريك الذي تقدم إليها وعرض عليها مصاحبته في رحلة حياة تستمر  مابقي من العمر لكلا الشريكين .أن تقف من البداية وتقول لمن تقدم إليها.


- لا .. آسفة .. لست أنت الذي أتمني أن أعيش ماتبقي من عمري  تحت  ظله وفي كنفه . ان طموحاتي وأحلامي تختلف عن طموحاتك وأحلامك .ولذا يجب من البداية ان أقول لك لا.. وبالفم ( المليان ) . لكن في الغالب . ما إن يتقدم  الفتي  خاطبا.الا ويجد الطبول والمزامير في استقباله .وبين حلاوة الاستقبال وطلاوة الحديث وضجيج الأفراح بالحياة الجديدة يغيب .. العقل .. ويضيع المنطق.. ولا يتم وضع أساس  صحيح  لحياة شراكة مقبله. وبعد أول شهر وقبل الدخول في معمعة الحياة الحقيقية يكون الأمر الطبيعي .. بل المشكلة الحقيقية لكل زوجين قد حدثت . تكون (العروسة) حاملا .. ويأتي الطفل ووالداه لم يتكيفا بعد معا .. ويفهم كل منهما الآخر الفهم المشترك الذي ييسر عليهما استمرار الحياة إلى نهايتها ويتحامل كل طرف على نفسه من أجل استمرار الحياة بأى شكل من أجل الأولاد .. من سيقوم بتربيتهم إن حدث الطلاق؟! وهل ترضى على نفسك أن يتربى ابنك فى حضن رجل أخر ؟! وهكذا تستمر الحياة بكل متاعبها ومشاكلها .. ولا تكون الأسرة بيئة صالحة لتربية طفلٍ التربية التي  يتمناها كل أب لأبنه ولا كل أم لابنها .لكن الآن أرى أنه من اللازم لى أن أقف مع نفسي موقفا عجزت أن أقفه في ما مضى من عمري  . إذ كان فى السابق هناك  من الأسباب  ما أعجزني عن اتخاذ الموقف المناسب لأن الأمر الآن يتعلق باعتبارات أخرى كالأولاد والواجهة الاجتماعية . وكل ما يساق من مبررات .. أمام المرء منا لإقناعه بالعدول عن الطلاق . فأنا أرى أن كل ذلك .. فات وقته . ولم يعد مقنعا بالنسبة لى . فالذي يشغلني الآن هو سؤال محدد وواضح أمامي تماما  ؟! هو كيف سأعيش ما بقى لى من العمر مع هذه الزوجة ؟! وخاصة أنني وصلت عبر السنين التي مضت إلى قناعة تامة .. نبتت بداخلي .. فى كل خلية من خلايا جسمي وكياني .. نمت معي حتى كبرت مثلى باستحالة استمراري معها ... تحت سقف بيت واحد أنا وهى وحدنا وخاصة بعد زواج الولد والبنت ... وأصبحت لكل منهما حياته الخاصة التي تشغله وتلهيه عنا وعن مشاكلنا . كما أنني لدى البديل .. الزوجة الثانية .. التي أعانتني على تحمل كل ما مر بى .. حقا .. أعرف تمام المعرفة أن هذا الوضع قد تكون هناك مبررات أخرى مناسبة لرفضه وإبقاء الحال على ما هو عليه ... كالقول مثلا  " ماذا ستقول للأولاد ؟! " وكيف تقنعهم بطلاق أمهم بعد أن عاشت معي كل هذا العمر على الحلوة والمرة  وأخلصت في خدمتي حتى أصبحت هي في حاجة لمن يرعاها ؟!.. هكذا سيقال .. أعرف ذلك تماما .. ولكنه منطق مغلوط تماما والعكس هو الذي يجب أن يقال . كيف تحملتها أنا هذا العمر كله وكيف تحملت نكدها الذي جلب لي الأمراض والعلل ؟! ثم كيف فعلت بى ما فعلته حتى جعلتني لا أتمنى أن أموت ورأسي على صدرها هي ؟! بل على صدر غيرها .. الذى احتواني . أريد أن أبعد عن إسارها أتحلل من القيود التى كبلتني بها ما سبق من عمري .. ومنعتني أن أعطى للأخرى حقها فى الحياة فى كنفي  ... فى أن تعيش حياتها الزوجية كما يجب .. أن تنام وتصحو بين أحضاني؟! ... حتى لا يقال .. كذا .. وكذا .. العقل يحتم هنا أن يكون السؤال واضحا ومحددا . هل سيمكننا أن نعودكما كنا .. أن يسكن كل منا للآخر بعد هذا الجفاء الطويل !! أن أقول لا هذه قناعتي .. وعلى ذلك . اتخذت قراري.. وعلى ذلك لا أرى مبررا مقنعا لممانعة زهرة زوجتي الثانية . في طلاق الأولى .. والعيش معا ما بقى لنا من عمر .. نستعيض بقادم الأيام .. عن ما فاتنا منها .


-2-


لا أتذكر على وجه التحديد سلوى .. ولا حتى كيف بدأت علاقتها بى .. فهي ابنة أحد جيراننا .. كانت تسكن .. بجوار المنزل المقابل لنا مباشرة . ثاني دور ... ونحن نسكن الدور الثالث .. وعندما كانت تجلس فى الشرفة تذاكر دروسها حيث كانت آنذاك في الإعدادية  وأنا في السنة الأولى لي بكلية الهندسة كنت أراها جيدا .. ما شد أنظاري إليها بعد مراقبتها طويلا . أنها عندما كانت تجلس للمذاكرة لم تكن تلتفت إلى شيء آخر ... تنكب على كتابها .. لا ترفع رأسها عنه ـ حتى لو استمر ذلك ساعات طويلة ـ حتى تنتهي من مذاكرتها ثم تنهض إلى داخل حجرتها .. مغلقة الباب خلفها . ثم إن جمالها كان هادئا .. وقورا .. غير صارخ وجسمها أكبر من سنها .... فجذبتني إليها .. في البداية كنت أتلصص عليها . وبعد ما ازداد إعجابي  بها .. وتحول الإعجاب إلى مشاعر أخرى . بدأت ألفت انتباها .. بإشارات أو أحدث أصواتاً.. حتى أدركت بذكائها .. أو قل بأنوثتها المبكرة مبتغاى .. فأخذنا فى البداية فى تبادل الابتسام وعندما كنا نلعب الكرة فى الشارع .. وأرفع عيني كل فترة .. تصطدم بعينيها . حتى حصلت على الإعدادية بتفوق والتحقت بالمدرسة الثانوية التى كانت تبعد قليلا عن الحى . ولأنها ابنة الجيران وصديقة لأختى الصغرى كنت حريصا على عدم إظهار أي أمر يسيء إليها والتعامل معها بحرص دون لفت انتباه الآخرين . الى أن فاجأتنى  أختى  يوما .. وأخبرتني أنها كثيرة السؤال والحديث عنى . مما جعلها تشك فى أن بيننا شيئا ما.. أنكرت فى البداية ... الى أن بدأت الزيارات بينها وبين أختى . مما أتاح لى بين الحين والآخر فرصة أن أتبادل معها الحديث .. أبدى .. إعجابا بشيء ترتديه .. بتسريحة شعرها ... الى أن تحول الأمر الى إظهار اعجابى بها وهكذا حتى أنهت دراستها الثانوية والتحقت هى بكلية العلوم فكنا نلتقى بالحرم الجامعى .. مما أتاح لنا فرصا كثيرة للحديث .. واتفقنا على كل شىء يخص المستقبل .. حيث كانت آمالي مركزة على أن انهى دراستى الجامعية وأسافر للعمل فى إحدى الدول الخليجية .. لأوفر لنفسي ما يمكنني من أن أفتح بيتاً . إلا أن والدي أصرّ بعد تخرجي على أن التحق بأي عمل في البداية .. ثم أحصل على إجازة وأسافر حتى أجد عملا أعود إليه . وقد كان أن سعى وبمساعدة بعض المعارف والأقارب في إلحاقي بعمل بإحدى المؤسسات وحصلت على إجازة وسافرت ونحن متفقان على أن أراسلها عن طريق شقيقتي .. وتراسلني هي مباشرة . وفى أول إجازة لي وكانت بعد سنتين من سفري. فاتحت والدتي في أمرها وكانت في السنة النهائية لها بالكلية ... فوافقتني هي ووالدي على اختياري  لها .. وتركت الأمر لوالدتي لمفاتحة والدتها .. التي أبدت قبولا سريعا ... وقمنا بزيارتهم واتفقنا على إعلان الخطوبة والزواج في الإجازة القادمة حتى تكون قد أنهت دراستها . وعندما أتذكر تلك الأيام .. وكيف كانوا يستقبلونني في منزلهم .. ويتهيئون لاستقبالي  في أحسن صورة ويظهرون أمامي أحسن ما عندهم . كنت أعتبر ذلك منهم بمثابة اعتزاز منهم وقناعة بحسن اختيارهم لى شريكا لحياة ابنتهم . وتم الزواج واصطحبتها معى لمقر عملي وعشنا حياة سعيدة ... بكل معاني السعادة الحقيقية التي يمكن أن يعيشها حبيبان  اختار كل منهم شريك حياته كما يتمنى . ورزقنا الله بالولد و البنت وقررنا الاكتفاء بذلك حتى يمكننا أن نحسن تربيتهما على الوجه الذي نتمناه لهما . وبعد ما وجدنا أننا قد أدخرنا ما نعتقد أنه يكفينا ويرضينا للعودة .. عدنا وبدأنا حياة جديدة . عدت للعمل .. وألحقنا أولادنا بالمدارس المناسبة لنا ولهم وسعينا لها فى عمل حتى عملت فى إحدى المصالح الحكومية .. وبدأت حياتنا تأخذ منحنى روتينيا وإن حرصنا على استقرارها  وتوفير جو من الهدوء و التفاهم قدر الإمكان . الا أننى بدأت أصطدم بتطلعات لها ..بدأت بسيارة ولأنها كانت ضرورية .. وافقت ... شقة فى مصيف نذهب لها كل عام .. ووافقت .. انتقلنا إلى شقة أكبر وأوسع حتى يكون لكل من الولد والبنت حجرته المستقلة ووافقت . لكنني فوجئت بها في إحدى الليالي الصيفية وقبل الانتقال إلى الشقة الجديدة .. تطلب منى أن أجعل عقد الشقة التمليك باسمها . فسألتها مندهشا ..


- لماذا ؟


- .. أهو .. يعنى تبقى حاجة .. باسمي .


- ايه .. فيه ايه .. اسمى ؟! اسمك ؟! يعنى هو فيه فرق بينا ما هو اللي معايا معاكى واللي معاكي معايا .


- أنا بقول يعنى .. يبقى أمان ليا .


- أمان إيه .


لم أقتنع بمبرراتها .. ولم أنم ليلتها ..لا لشيء .. إلا لأنني استشعرت أن في كلامها هذا .. شيئاً حيرني . لم آلفه منها .. كأن شخصا آخر هو الذي كان يتكلم .. بعد أكثر من عشر سنوات عشناها معا ..لم أفرق يوما بيني وبينها فى شيء ولم تطلب منى شيئا إلا وأحضرته لها. حتى راتبها كانت أول كل شهر تعطيني إياه .. حقا أنني كنت أعطيها أكثر منه فى بداية عملها كمصروف يد .. حتى كبر راتبها .. فتوقفت عن أخذه منها ............. ليبقى لها كمصروف شخصي إلا أن أحضرت يوما من صندوق البريد خطاباً لها من أحد البنوك .. وأعطيته لها وأنا أتساءل


- هل لك حساب بالبنك ؟


- نعم .


- لم تخبريني من قبل .


- وفيها إيه .. أنا قلت أحوش قرشين للزمن .


نظرت لها مذهولا ... ولذت بالصمت .


وكلماتها تتردد بداخلى ... أحوش قرشين .. للزمن .أنت تحوشين .. وللزمن . وأين أنا من ذلك ؟ ولماذا أنت ؟..! وأين أنا ؟! .. هل أصبح بيننا فرق .. أنت وأنا . وبدأت أستشعر خطرا قادما على حياتنا . ليس خطرا خارجيا يعصف بنا . وإنما كان خطراً نابعاً من داخلنا . وبعد أن تناولنا الغداء يومها .. وأغلقنا علينا باب حجرتنا . أردت ألا أفوت الأمر . وبدأتها قائلا :


- من بداية جوازنا .. بل بداية معرفتنا ببعض .. وأنا أعتبر أنك نصفى الآخر .. لم أفرق بينى وبينك فى شىء .. ده صحيح ولا لأ


- صح .. طوال حياتنا معا لم تبخل على بشىء .. وهذا ماأقر به وأحمد ربى عليه .


-  طب علشان خاطرى .. بلاش حكاية .. إنت وأنا دى يعنى عايز وبوضوح تام .. إننا أسرة .. تكون منى ومنك ومن الأولاد .. لو كل واحد منا فكر فى الأنا والأنت دى مش هنبقى أسرة ناجحة . إحنا كأسرة أنا ولىّ أمرها وأنت ربة أسرة يعنى أنا وأنت ها تقوم علينا الأسرة . بلاش تفكري فى أن تكوني شيئاً مستقلاً .. لك مالك الخاص وشأنك الخاص بعيدا عن منطق شريكة حياتى.


- ازاى .. أنا عايزة يبقى لى شخصيتي المستقلة وكياني الخاص  .


- فى اطار .. شريكتى فى الأسرة .. بتاعتنا اللى أنا مسئول عنها نعم .. خارج هذا الإطار .. لا وألف لا .


- ما تكبرش الموضوع كده .. هو فيه فرق بين الوضعين .. ده بس علشان الواحد يحس بالأمان .


- أمان الواحدة بين جوزها وولادها .. أمان الواحدة فى احساسها بأنها جزء من أسرة هى مسئولة عنها . وعمر الفلوس ما بتكون مدعاة للأمان لأنها بتروح وبتيجى .. واللى فاضل هو الزوج والأولاد . والأمان احساس داخلى .. فإذا لم تكونى تشعرين به وأنتى معى قولى من الآن وكل واحد يروح لحال سبيله .. ويعيش فى أمان مع من سيوفر له الأمان .


- ايه الكلام اللى بتقوله ده .


- إذا لم تكونى تشعرين بالأمان معى . فلا داعى لاستمرار هذه الحياة . أقولها بوضوح تام .. شعرت أننى جاد فى موقفى .. فأرادت أن تضع حدا للخلاف حتى لا تتفاقم الأمور .


- ايه الكلام ده .. هو انا ليا مين غيرك .. هو فيه فرق بينى وبينك اللى معايا معاك واللي معاك معايا . هدأت نفسى قليلا وأعطيتها ظهرى معبرا عن عدم قناعتى بموقفها .


-3-


بعد انتقالنا إلى الشقة الجديدة .. بدأت أشعر أن الحياة بيننا أخذت منحنى جديدا . وأن هناك فروقا ومسافات تواجدت بينى وبينها . فروقا فى التفكير والتطلعات . مسافات أخذت تباعد ما بيننا كحبيبين وزوجين جمع بينهما الحب . ففى معظم الأوقات التى نكون فيها معا وحدنا ..تكون اما صامتة لاتحكى لى كما كانت من قبل تحكيه عن ظروف العمل وما يحدث فيه من مشاكل  . علاقتها بزميلاتها .. كل ما كانت تتكلم فيه إن هي تكلمت هو أن البيت محتاج كذا . والأولاد يطلبون فلوس الدروس أو يطلبون ملابس جديدة . وما كان يغيظني الى حد الجنون أن هذه المطالب لم تكن تكثر  إلا قرابة آخر الشهر أى قرب نفاد ما معى من نقود مخصصة للمصروف الشهري . أو تكون قد نفدت فعلا . أما ماعدا ذلك من أمور تخص البيت أو حياة الأولاد فهى تتصرف فيها بدون الرجوع إلى وكأن الأمر لا يعنيني من قريب أو بعيد . لدرجة أنه يحدث أن أفاجأ بأشياء أو زيارات معارف لنا أو زيارات لمعارف أو أقارب تطلب منى مصاحبتها فيها . كانت قد اتفقت هى عليها ودون الرجوع إلى. سايرت الأمر مرة .. ولما وجدته تكرر أعلنت لها رفضي لهذا المنطق المعكوس . فإذا كنت أنا لا أفرض عليها زيارة أناس قبل إخبارها مسبقا فلماذا تفرض على هي ذلك دون إخباري؟! ورفضت بعدها اصطحابها في أية زيارة لم تخبرني بها من قبل . كما رفضت استقبال أى ضيف فى بيتى دون اخبارى مسبقا بالزيارة وموعدها . صاحت وثارت .


- أنت تريد أن تلغى شخصيتي .. تحرجنى مع معارفي وأصدقائي وأزواجهم .


ولما لم أكن معتادا الخروج من البيت بعد الحضور من العمل إلا لأمر ضروري فكان معظم الوقت أقضيه أمام التلفزيون أو القراءة فى حجرة المعيشة . حيث كان يوجد بها سرير معد تحسبا لأي طارئ . وكانت تلوذ هى بحجرتنا مغلقة الباب عليها . أما لتحادث زميلاتها في التليفون أو تشاهد التلفاز . وعندما كانت تخرج لأمر من الأمور وترى باب حجرتي مفتوحا تغلقه على بحجة أن صوت التلفاز يعطل الأولاد أثناء المذاكرة . حتى صار الأمر الطبيعي . هي فى حجرة النوم .. وأنا فى حجرة المعيشة والباب دوننا مغلق . وذات ليلة بينما أنا مستغرق فى نومى .. وجدتها توقظنى قائلة .


- شخيرك .. أصبح مزعجا .. أطار النوم من عينى.. قم فنم فى حجرة المعيشة .


- ولم لا تذهبين للنوم أنت هناك مادمت يقظة بدلا من إيقاظى أنا من النوم


- لأني لا أعرف النوم الا فى فراشى .. هو فيه ايه .. أنت غاوى مشاكل وخلاص . قالت ذلك بصوت عال .. وبعصبية واضحة . وأردت أن لا تتجاوز الأمور هذا الحد .. وخاصة والأولاد نائمون فانسحبت من أمامها متبرما وفى اليوم التالى بعد الغداء . قالت .


- إيه رأيك .. تنام أنت على طول فى حجرة المعيشة لأن شخيرك لم يعد محتملا .


- منذ متى لم يعد محتملا .


صرخت في وجهي أمام الأولاد


- من النهاردة .. إيه فيها حاجة دى .. أنا مطحونة فى الشغل وفى البيت .. مش عايزنى حتى أنام الساعتين بتوع الليل ... إيه يا أخي هو فيه ايه .


بهت .. تقوقعت بداخلى .. تضاءل كيانى أمامها تماما . فانسحبت من أمامها حتى لا تتطور الأمور وخاصة أن الأولاد أيامها كانوا يؤدون امتحانات نهاية العام الدراسى ويلزمهم هدوء البيت . وصار علو صوتها هو الأمر الطبيعى فى الحديث بيننا مما استحال معه الحديث . وفى اليوم التالى حضرت من عملى .. لأجدها قد أخرجت كل ما يخصنى من ملابسى ووضعتها على السرير فى حجرة المعيشة . حتى انها لم تكلف نفسها عناء وضعها فى دولاب ملابس الأولاد . وعندما سألت عن السبب فى هذا التصرف كان الجواب الحاضر .


- عشان شخيرك لا يمكنني من النوم .. لم أملك نفسى من الضحك بصوت عال .. فحضر الولدان متسائلين .. عن سبب ضحكى


- ماما طردتني من الجنة . وأشرت الى ملابسي الملقاة على السرير . فساعداني فى وضعها فى دولابهما صامتين . وجلسا معى بعض الوقت ثم ذهب كل منهما الى حجرته صامتا .


 


- 4-


 


ازدادا الشرخ بداخلى .. وتحصن كل منا فى حجرته . وأصبح الجفاء سيد التعامل بيننا حتى وصل الأمر . أننا أصبحنا نتخاصم بالشهور ويمرض كل منا دون أن يسأل الآخر عنه . وإن ذهبت إلى الطبيب .. تصطحب معها أيا من الولدين . وأنا أذهب وحدي . وعندما وصلت الأمور إلى هذا الحد . لم يكن يشغلنى إلا مستقبل الأولاد . فهم سيكونون الضحية . وكل ما يحدث سوف ينعكس على نفسية كل منهما .


تراءى لى ذات فترة أن الزواج من أخرى هو أنسب أسلوب للرد على هذه التصرفات . وبصرف النظر عن الرد على تصرفاتها .. ماذا عنى أنا . ألست رجلا من حقي أن أعيش حياتي مستمتعا برجولتي ... وأشبع رغباتى التى تتحقق بالزواج .. زوجة أسكن إليها .. أتحدث معها ..آلامسها وتلامسنى .. أداعبها وتداعبنى .. أعيش حياتى كما ينبغى .... هل نعيش حياتنا إلا مرة واحدة ؟! فلماذا أحكم على نفسى بالموت من الآن ؟! وعندما أتذكر أن الولدين لا ذنب لهم فيما يحدث . أسأل  نفسى .. وهل سيكون الأولاد فى حال أفضل  وهم يرون ويسمعون ما يحدث بيننا كل يوم ؟! ألن يكون لذلك أثر سلبي على تكوينهم النفسي ؟! أعود وأقول إلا أن يكون لهم زوجة أب . وأخذت الأيام تجرى بنا . إلى أن فوجئت بها تتخذ منحنى جديدا فى حياتها . تكثر من قراءة القرآن والحرص على الصلاة فى مواعيدها .. ومشاهدة البرامج الدينية فى التليفزيون والذهاب الى المساجد وتعلم التجويد وغيرت من ملابسها وارتدت الحجاب . وذات يوم فوجئت بها تخبرنى أنها ذاهبة إلى أداء العمرة . لذت بالصمت قليلا . فنظرت الى مستفسرة عن سبب صمتى . فقلت لها .


- هكذا .. بدون استئذان زوجك . أهكذا يأمرك ربك ؟!


- ما هو أنا استأذنتك أهو .


- بعد أن أخذت قرارك .. وقمت بالحجز فعلا تستأذنين .. فرضا .. أنا رفضت .


- ولماذا سترفض .. أداء واجب دينى .


- انها سنة وليست فرضاً . ثم من حقى أنا كزوج شرعا أن أوافق على تركك البيت والسفر من عدمه . عموما .. أنا لا أريد أن أحول الموضوع الى قضية جدلية . فقط أردت أن أقول لك شيئا .. وأقوله لك الآن بوضوح تام . وهو الحديث الكريم . لن تدخل الجنه امرأة باتت وزوجها عنها غاضب


ـ وانت ها تغضب ليه . لقمتك واعدهالك وملابسك واغسلها لك .. ولادك وراعى اللى فيهم


ضحكت .. فثارت ..


ـ ماذا يضحك .


ـ لأنك جعلتى القضية بسيطة جدا .. أكل وشرب وملابس نظيفة وأولادى تراعيهم . أليسوا هم أيضا أولادك ؟! ثم أنا .. أين أنا . أين ما أمرك به اللى نحو زوجك ؟! عموما .. لك ما تريدين . وأنا لا أريد أن نخلق كل يوم مشكلة تحرق دمنا . وانسحبت من أمامها لائذا بحجرتى .


يارب .. هل هذا ما تأمر به النساء من عبادك ؟! أو هذا هو التدين  الذى تفرض على نفسها ؟! وبعد أن تمددت فى فراشي قليلا .. محاولا أن ألوذ بالهدوء والسكينة .. وجدتنى .. أذهب بفكرى الى الأرامل ممن أعرف من النساء . سائلا نفسى .. أيهن أفضل .. وأيهن تكون مناسبة لمشاركتى ما تبقى لى من حياة ؟! فلن أكون   الرجل الأول الذى سيتزوج للمرة الثانية .. ثم أن مبرر زواجى ثانية أراه مقنعا جدا . ثم إنها ليست بجريمة فالرجل له الحق شرعا فى أربع . فلماذا أضيق على نفسى ؟! أفرض عليها حياة الرهبان . هل لو أخطأت الآن مع أى واحدة يكون من الأفضل لى ولها ولأولادى ؟! ان طريق الخطيئة سهل ويسير . فلماذا أصعب على نفسي طريق الحلال بمبررات واهية لاتصمد أمام أى منطق سوىّ ؟! ويستقر رأي على فكرة الزواج الثانى .. وأخذ فى استعراض ما أعرض من الأرامل ثانية وثالثة وعندما أستقر على واحدة منهن .. أقول لنفسي ..


- هذه هي .. ما على أن لا أفاتحها . ودع أمرك لله .. وهو سيوفقك إن شاء الله إلى الخير لأنك لا تجنى على أحد . وفى صباح اليوم التالي . أجد كل ما استقر عليه رأى ونفسى قد تبدد من داخلى ثانية .


وذات يوم .. وبعد مشاورة كلامية معها أمام الأولاد .. وصلت الى حد أن صرخت ابنتنا فينا .


- إيه ده .. مش معقول كده .. كل يوم خناق .. خناق .. دى مش عيشة دى .. كنتم خلفتونا ليه لما أنتم كده .. حرام عليكم .. وأخذت تصرخ واتجهت الى حجرتها .. وأغلقت الباب خلفها .تسمرت مكانى لحظات . وإذ بها تنظر الى بحدة  قائلة .


- مبسوط كده . عقدت العيال .. حرام عليك يا شيخ . ودخلت حجرتها وأغلقت عليها الباب . انسحبت إلى حجرتي. وجاء خلفي الولد .. تمددت على فراشي . ووقف هو ينظر الى لحظات ثم قال .


- معلش يابابا .. كبر مخك .وابتسم وانصرف . لحظتها صممت على الزواج من ثانية . وحتى أقطع على نفسى طريق التراجع .. حادثت من استقر رأى عليها فى المرات السابقة وواعدتها مساء نفس اليوم . وبعد أن جلسنا وتبادلنا أطراف الحديث .


- سألتها ما رأيك .. هل باستطاعتك ابتداء حياة ثانية ؟!


فنظرت الى مبتسمة


- معك ؟! وبعد لحظات قليلة من الصمت .. قالت وقد ارتسمت على وجهها ملا مح جادة


- بصراحة .. أنا ما كنتش منتظرة أنك تفاتحنى فى الموضوع كده مباشرة من أول لقاء .. لكن هذا الأمر .. أقدره فيك .. فهذا يعنى أنك واضح من البداية . ولكن ألا ترى معى .. أنك تعجلت بعض الشىء . المفروض أن كلا منا يعرف ظروف الأخر .. ويقدرها حق قدرها ويتم التفاهم عليها .. وبعد كده ندخل فى الجد .


قالت ذلك .. وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة .. لعلها أرادت .. أن تخفف من جديتها .


- أنا قلت .. أننا نعرف بعض من مدة .. وأعتقد أن كلا منا يعرف ظروف الآخر بما فيه الكفاية.


- ده صحيح .


- يعنى .


ساد الصمت لحظات .


- تسمح لى أسألك سؤال شاغلنى من زمان


- تفضلى .


- أنا مش عارفة أنت إيه إلى مصبرك على عيشتك دى ؟! أنا أقول لك هذا الكلام على حسب ما اسمع ويعرف الزملاء فى العمل عن ظروفك العائلية وكنا سألنا أنفسنا هذا السؤال . ما الذى يجبره على ذلك ؟ نظرت اليها شاردا


- " هل يعرف عنى كل زملائى فى العمل كل شىء ... وكيف عرفوا ذلك ؟! ترى ماذا يقولون عنى .. وعنها ؟!


- الأولاد


- كلنا عندنا أولاد .. وبنخاف عليهم . لكن لازم نخاف برضه على أنفسنا .. دى عيشه تقصر العمر . انا مش بقويك عليها لا سمح الله .ولكن بصراحة ,, أنا شايفة إنك ما تستهلش اللى بيجرى لك معاها ده . أنت انسان كويس ... وأحسن منهاكثير يتمنوك . ليه ترضى لنفسك بكل ما يحدث لك ؟!


- لقد أذهلنى كلامك .


- بصراحة .. أنا مش قادرة أتصور .. إن فيه واحدة بالشكل ده .. ما كلنا ستات وعايشين . وبعدين يعنى خوفك على العيال .. اذاكان مانعك من الإنفصال عنها ... طيب واللى بيحصل بينكم أمام العيال مش مخوفك عليهم أكتر .


سقط فى يدي .. ولم أعرف كيف أجيب عن اسئلتها .. ووجدت بنفسي استنكارا لكلامها .. لماذا تحدثنى عن أمر شخصى بهذا الشكل ؟!


- سامحنى .. أنا بصراحة .. أكن لك مشاعر طيبة من زمن طويل . وده اللى خلانى أصارحك بكل اللى قلته لك . هدأت الثورة داخلى عليها .. وإن لذت بالصمت لحظات . ثم قلت لها


- أرجو أن أستمع لإجابتك عن سؤالى الأول ؟!


ـ شوف علشان الأمور تبقى واضحة .أنا تحت أمرك وتحت قدميك وبكل حب واخلاص  . أنا جربت حياة العزوبية وخبرت صعوبتها على وعلى ابنى .. وعلشان كده بقولك انا هكون تحت أمرك وتحت قدميك . لكن كل شىء يبقى فى النور. يعنى جواز علنى عند مأذون والكل عارف بيه . ده شرطى الوحيد . وفكر فى كلامى ان شاء الله اللى ها تلاقيه هو الصح .


وجلسنا بعض الوقت نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل المداعبات . وعند الانصراف قالت وهى تضغط على يدي مبتسمة .


- فكر . وأنا فى انتظارك . وعلى أقل من مهلك . وتركتها وانا شارد الذهن . ما هذا ؟! ما الذى يجرى من حولى ؟! كل المعارف تعلم بما بينى وما بين زوجتى وينتظرون اللحظة التى ننفصل فيها .. ومندهشون من طول صبري عليها ؟! يا الهى ... أللهم ألهمنى الصبروالقرار السديد . ثم ما هذه الرقة والحب اللذان كانت تتحدث بهما معى . هل هى تحبنى حقا . أم هو شوقها لوضع نهاية لحياة العزوبية . وأجدنى أسخر من نفسى قائلا وبصوت عال .


- هى عايشة العزوبية لأنها أرمل ... وأنا عايش العزوبية لأني متزوج !! .


وأخذت أضحك من نفسى وأنا أسير منتعشاً من تحرك مشاعرى التى تجمدت سنين .. من لحظات أودقائق اللقاء .


-5-


مرت أيام .. لا أعرف فيها طعم النوم الا فيما ندر . لحظات أجدنى مدفوعا لوضع حد لما أنا فيه . وعندما أنظر فى عينى أبنى أو ابنتى .. أقول لنفسى ما ذنبه أو ذنبها وخاصة أننى أعرف تمام المعرفة أنها لن تتقبل الوضع الجديد .وسوف تخرب البيت على من فيه . ولن يعنيها أمر الأولاد أو غير الأولاد . فكل ما يعنيها هو نفسها وما تعتقد أنه فى صالحها هى . وخلال هذه الأيام  كنت كثير التحدث تليفونيا مع زهرة .. بل .. وكنا نتواعد معا . وكم كنت أشعر بسعادة بالغة وأنا معها . حركت بداخلى كل ما تبلد من مشاعر . وما تجمد من رغبات. حركت رجولتى التى كنت أفقدها لدرجة كنت فيها أسعى إلى لمسة يد .. أو همسه حب . أشتاق إلى أن أضع ذراعي على كتفها أثناء السير ليلا .. حقا كانت تنسحب من تحت ذراعي بلطف .. أمسك يدها وأحاول وضع ذراعها تحت ذراعي .. وبعد لحظات تنظر إلى في رقة  .. وتسحب ذراعها في هدوء . كانت تريد أن تقول إن ذلك ليس من حقك الآن ؟ تولد بيننا ما افتقدته . وتمنيته أن يعود إلى حياتي . أعيش به ومعه ...... إلا أنني لما أستطع أن آخذ قرارا واضحا وحاسما . كأنما كانت قد كبلتني هي بقيد حديدي لا فكاك لي منه . ربطتني برباط لا انفصام منه . أثور منها وعليها ولكنى أبدا لا أجد في نفسي المقدرة عي أخذ قرار الانفصال عنها أو الزواج من أخرى . أثور على ضعفي  .. أتمرد على هواني . أقول لنفسي لقد تحملت منها مالا يتحمله رجل من امرأة . إلا أنى لا أستطيع أن أقطع الحبل أو قل الشعرة الأخيرة التي تربطني بها .


قابلت زهرة شرحت لها كل شىء . ما يدور بداخلى ما أشعر بها تجاهها .. وتجاه الأخرى .. كنت أمينا جدا ودقيقا جدا في شرح كل ما أشعر به . أنصتت لي بهدوء تام .. ولم يظهر على وجهها أي انفعال . حتى إذا أفرغت كل ما يدور بداخلى . صمتت لحظات ثم قالت وعلى شفتيها شبح ابتسامة هادئة .


- بالرغم من أن الأمور بالنسبة لى واضحة . وأى واحد تانى ممكن تسأله اعتقد أن رأيه سيكون متفقاً مع رأيي .إلا أنى أعتقد أنني فهمتك كويس .. وده هو اللي مخلينى مش مندهشة من تصرفك .. وأعطيك عذرك . وكمان ده اللى ها يخلينى أقولك . أنا قدرتك أكثر ... بل وأحببتك أكثر . أنت مش قادر تنسى حبك ليها وتتخلى عنها . وده اللي يخليني أتمناك أكثر . لأن أي رجل يحرص على حبه بهذا الشكل .. رجل نادر الوجود .. ولأني لا أريد أن أخسر مثل هذا الرجل . أنا ها اطلب منك أننا نكون أصدقاء . تقدر تقبلني كأخت لك . فأنا لا أريد أن أخسرك . إما أن أكون أختك . أو صديقتك . بشرط أن تكون بمعناها "الشرقي" . وليس بمعناها "الغربي" .. وتأكد أنني سأكون لك أجدع من أى صديق آخر . مخزن أسرارك . والصدر الحنون الذي ستجده عند كل أزمة . وخليك كما أنت لبيتك وأولادك .وتأكد أنني لا أتوانى في أن ألجا إليك في أي أمر أحتاج فيه إليك . لم أستطع أن أبتعد عنها ولم أستطع أن أقترب  منها أكثر ......... إلا أنني أخذت أتحادث إليها بكثرة تليفونيا . وعندما تحدث أي مشكلة ألجأ إليها وأحكى لها كل ما يدور بداخلي ونتشاور فيما بيننا . وانصرف وقد تبدد كل أثر للمشكلة داخلي واستمرت حياتي هكذا .


-6-


 وعندما وصلت ابنتي هدى إلى "الثانوية العامة ".. كنت أتوسم فيها الخير .. فقد كانت حريصة على المذاكرة ودائما متفوقة .. وأملها أن تصبح طبيبة أو على أقل تقدير صيدلانية . وحرصت قدر المستطاع على توفير جو مناسب لها .. إلا أن الأمور سارت على غير ما أريد وأتمنى دائما . وكان لابد من حدوث ما يعكر الصفو وعندما .. أخفقت في الحصول على الدرجات التي تؤهلها لتحقيق حلمها .. انهارت تماما .. وأغلقت على نفسها باب حجرتها ورفضت مقابلة أي منا لمدة يومين .. بكت فيهما ما يكفى لبقية عمرها . تألمت كثيرا .... تمزقت .. شيء ما بداخلي .. انهار ضعف تماسكي .. كل ما كنت أحرص عليه .. وأتحمل من أجله .. هو مستقبل الأولاد .. وها هو أخذ في الضياع . إذا كانت البنت قد حدث لها ذلك وهى الأكثر مقدرة على الاستذكار والصبر على تحصيل دروسها . فماذا سيحدث مع الولد ؟! الأقل منها استعدادا ومقدرة علي ذلك ؟! حدث شرخ كبير بداخلي  . ماذا بقى لي لأتحمل من أجله .. اعتكفت في حجرتي .. أيام لا أغادرها ..أللهم إلا للضرورة .. حصلت فيها على إجازة من العمل . زهدت في كل شيء حولي . نادرا ما كنت أتناول لقيمات أسد بها رمقي . حتى مباريات كرة القدم التي كنت أحرص على مشاهدتها ... والتي كانت بدورها تساعدني على تفريغ شحنة الغضب  بداخلي .. زهدت في مشاهدتها .. طالت لحيتي .. توقفت عن الصلاة .. التي كنت أحرص عليها بشدة ... وأطيل فيها التضرع إلى الله .. أن يوفق أبنائي ويحقق أمانيهم . فذلك كان عزائي الوحيد في الدنيا . ولما لاحظت ابنتي ما طرأ علي .. تماسكت . وتغلبت على أحزانها ودخلت على بعد أن طرقت الباب . وابتسامة عريضة على وجهها وإن لم تستطع أن تدارى ؟؟ نظرات الحزن الدفين في عينيها .


- إيه يا سي بابا .. فيه إيه بالضبط ؟!


نظرت إليها .. في إشفاق . قرأت ما في عينيها . وخاصة إنني كنت أفهمها جيدا .. لأنها القريبة من قلبي .. والزهرة التي كنت أحرص .. على رونقها دائما .. في حياتي


لم أستطع أن أجيب على تساؤلها . فماذا سأقول لها


ـ حصل إيه يعنى .. هى كلية التجارة مالها .. ويا سيدي ممكن لو شديت حيلى فيها شويه .. أتفوق وأبقى معيدة ودكتورة كمان  . هو يعنى مافيش دكاترة إلا بتوع كلية الطب والصيدلة .


لم أستطع أن أتحمل كلامها .. وأنا الواعي تماما بما يعتمل بداخلها . انهرت تماما .. جرت الدموع في عيني .. حاولت إخفاءها عنها .. لم أستطع . احتضنتها .. وكانت قد جلست بجواري على الفراش وضعت رأسها في صدري .. بكينا معا .. نزفت كل رجولتي التي أهدرت من  قبل . تحسرت على كل تضحياتي .. أيامي التي مرت  أتجرع فيها كأس المرارة .. صامتا .وكم كانت هي .. قوية . صلبة .. سرعان ما تماسكت .. كفت عن البكاء . واجهتني بعينيها الدامعتين


- ما كنت يوما .. أتمنى أن أرى دموعك .


- سامحيني يا بنتي . لم يكن بمقدوري أن أتحمل .. انهيار أحلامك .. وأملى فيك ، من قال أن أحلامي انهارت ؟! إنها إرادة الله .. الذي يدخر لي أملا  في مجال آخر . من أدراك أن كلية التجارة لا تحقق أحلامي . ليكن أملك فى الله كبيراً . وأملك فيا برضه كبير .


احتضنتها من جديد . وأنا أبتهل بالدعاء أن يوفقها الله  .. ويجعل لها في المستقبل عوضا عن كل أحلامها .


وأخذنا .. نتبادل أطراف الحديث ... ولم تتركني إلا وقد .. قمت وحلقت لحيتي .. واستحممت وصليت لله شاكرا .. ثم جلست أمام التلفاز .. لمشاهدة احدى مباريات كرة القدم   .


 


-7-


 


عندما عدت للعمل ... قابلتني زهرة بترحاب شديد .. وطوال فترة تواجدنا في العمل .. لم تنقل ناظريها عنى . وعند انصرافنا من العمل .. اقتربت منى وطلبت منى اللقاء مساء . حقا .. كنت في شدة الحاجة إلى لقياها . لكن لم أكن أريد أن ألقاها الآن . كنت أود الانتظار قليلا حتى الملم أشتات نفسي الممزقة . إلا أنى لم أملك إلا الموافقة .. إعجابا بشجاعتها وطلب اللقاء .. واحتراما للهفتها على .. ورغبتها في الاطمئنان . وقفت طويلا .. أمام صوان ملابسي .. أنتقى ثياب الخروج .. ترددت كثيرا في اختيار ما أراه مناسبا . حتى اندهشت من تصرفي هذا . واستقر رأيي في النهاية على حلة لدى .. وارتديتها .. إلا أن وقفتي أمام المرآة طالت أيضا .. أعيد رباط العنق تارة . وأبدله تارة بحجة أنه غير مناسب للون الحلة والقميص . وعندما دخلت على ابنتي وأنا أمام المرآة .. اندهشت من تأنقي قائلة :


- إيه يا عم رايح تقابل الجو .. ولا إيه ؟! هيه أروح أديك زمبه وأقول لماما ؟!! ضحكت من كل قلبي ... ضحكة مريرة


- على فكرة من هنا وجاى .. بابا .. سيكون شيئا مختلفا تماما عن ما قبل . خرجت .. وتركتها .. تضرب أخماسا في أسداس في معنى ما قلته لها . حتى إذا جلسنا متقابلين على منضدة .. في مكان هادى على النيل . وضعت حقيبة يدها أمامها .. ونظرت بكل مجامع نفسها .. تقرأ ما استقر في وجداني . ظلت صامتة للحظات . ثم مدت يدها .. أمسكت بها يدي اليسرى القريبة منها .


- مالك .. كنت فين .. قلبي كان معاك ..وكم مرة حاولت الاتصال بك تليفونيا .. وكل مرة كان يرد على صوت  مختلف عن صوتك .. كنت أضع السماعة .. حتى سمعتها في إحدى المرات تسب وتلعن بأقبح الألفاظ .


- كنت في حاجة للجلوس مع نفسي شويه


- وأنا كنت فين .. من هذا كله .. لماذا لم تشركني في ما كنت تعانيه ؟! لماذا كنت تعانى وحدك ؟! وتتركني أعانى لمعاناتك وحدي ؟! هل تراني بعيدة  عنك إلى هذا الحد ؟!


-  لم أردأن أزيد من مشاكلك وهمومك ؟!


ـ ولكنك بفعلتك هذه زدت كثيرا  منها ولم تخفف وبعد لحظات صمت .. قالت .


ـ احك لي عن كل شيء .


وبعد أن حكيت لها عن كل ما دار في رأسي وفكري خلال أيام غيابي  .... وهى تنصت إلى بكل جوارحها . وكل ما دار بيني وبين ابنتي . وما دار بخلدي نحوها . لاذت بالصمت لحظات .. شاردة الذهن والنظرات .


- لست أدرى .. ماذا أقول لك .. غير أنني أتفهمك تماما .. ولا يمكنني أن أنكر أن شيئا قريبا مما دار في نفسك .. دار في نفسي أنا أيضا . فقد افتقدتك كثيرا . لدرجة لم أكن أتصورها . ولو لم أكن مدركة تماما .. من أنت ؟! وأنك سوف تفهمني جيدا وبحق لما قلت لك هذا الكلام . رفعت يدي .. اطلب منها التوقف عن الكلام  .


- لم يعد .. لدى ما سأخسره .. وليس لديك ما ستخسرينه. لماذا لا نتفق على صورة معينة للارتباط تحافظ لكل منا على ما بقى لديه .... حتى لا يخسر أحدا منّا شيء .


- ماذا تقصد ؟!


- أن نرتبط .. بشكل شرعي .. ويحقق لكل منا مبتغاة ولقد فكرت في ذلك جيدا .. وليس أمامنا إلا استئجار شقة ولو حجرة واحدة .. نعدها لتكون مكان لقاءاتنا على أن تستمري أنت في حياتك مع ابنك .. وأنا مع أبنائي . أي حتى نصل للمرحلة التي يمكن لكل منا مواجهة الجميع بزواجنا .


- أتريده سريا .


- لا .. لتخبري من تريدين من ناحيتك ..وأنا أيضا . لكن ابنك وأسرتي .... يبقيان بعيدا عن الموضوع . صمتت لحظات .. تدير ما قلت في رأسها . وسكت .. انظر إليها .. أحاول قراءة ما يدور في نفسها متلهفا ... متشوقا .. لسماع كلمة الموافقة .. فكفانا ما فات من عمرنا سدى .


- ممكن تعطيني مهلة يوم أو أثنين .. للتفكير في الأمر ؟!


- أمامك يوم واحد . و بعدها نذهب للمأذون ويكون معنا شاهدان من الزملاء في العمل أو واحد من طرفي وواحد من طرفك  .. كما تشائين .


- طب نجهز الشقة الأول .


- موافق . نجهز الشقة معا .. وبعدها نعقد القران .


- برضه .. أعطيني فرصة .. أفكر .. يوم واحد . وإن شاء الله ما يكون إلا الخير .


-8-


قمت باختيار شقة من حجرتين .. وأثثتاها بأثاث بسيط .. حجرة نوم وأنتريه وتركنا الحجرة التانية خاوية وأصرت بشكل حاد .. أن تساهم في سداد الإيجار الشهري . قائلة .


- مادام في مقدوري المساعدة .. سوف أفعل ..وعندما أرى عدم مقدرتي على المساهمة .. فلا تخش شيئا .. سوف أقول لك . هنا أتوقف .قدرت ذلك منها .. تقديرا كبيرا .. فكبرت في نفسي أكثر وكنا نذهب إلى عشنا .. في البداية .. ثلاث مرات أسبوعيا .. أخذت .. تتناقص .. إلى مرتين .. حسب ما نجد من وقت متاح لدى كل منا . الأمر .. .. الذي ترتب عليه . خروجي من المنزل بشكل لم أكن معتادا عليه مما لفت الأنظار إلى ذلك .وبدأت التساؤلات ... حتى وصل الأمر أن جمعت الولدين يوما .. وسألتهما


- ماذا جرى .. لأبيكما .؟! هل تزوج من أخرى ؟! فأجابتها الابنة .


- وكيف لنا أن نعرف ؟!


ـ اسأليه ..


ولاحظت أنها في أحيان كثيرة .. عندما نلاحظ أنني أتحدث في التليفون .. تدخل حجرتها حيث يوجد فرع داخلي للتليفون وترفع السماعة .. بحجة أنها تريد التحدث فى التليفون .. لتعرف إن كان المتحدث ذكرا أم أنثى وان كان أنثى تطيل السمع .. لترى إن كان الصوت  معروفا لها أم جديدا على أذنيها . بل وأصبحت تسارع فى الرد على التليفون عندما تسمع رنينه . وإذا أغلق الخط .  لايسلم الأمر من تعليق يصدر بوقاحة ..


......... مين دى ؟! وعايزه إيه ؟! .. ومن ناحيتي لم أحاول أن أرد بأي تعليق .. تركتها لظنونها .. لوساوسها وشكوكها .. تأكلها . إلى أن جاءتني ابنتي يوما .. وجلست أمامي .. نتبادل أطراف الحديث ثم باغتتني سؤال .


- بابا .. هل تزوجت على أمي ؟!


- ولماذا تسألين هذا السؤال ؟! وما الذي جعلك تظنين ذلك ؟!


- خروجك .. الكثير .. والذي لم نكن نعتاده منك .


- أفرج عن نفسي .. الجلوس في البيت  أورثني الكآبة والملل .. كل منا في عالمه الخاص .. فلا فرق لديك أن أكون موجودا أو غير موجود  .


- أمي تتساءل عن ذلك ودخل أبنى سعيد وجلس يستمع


- قولي لها أن تسألني أنا  .. ولا داعي لإقحامك في الأمر . وإذ بابني يتدخل في الحديث .


هل .. لو تزوجت .. ستعطى زوجتك من أنصبتنا فى أموالك .


عندما استمعت إلي هذا السؤال .. أدركت أنه ليس من بنات أفكاره .. وأنه .. قد استلمت مسامع الأولاد . وأخذت تغذيهما بمخاوفها من زواجي من أخرى . وتدفعهم بحجة أن الزوجة الثانية ستنال من حقوقهم لدى ..مما يعنى أن الخوف من الزواج الثاني .. لم يكن من الزواج في حد ذاته .. وإنما مما سيترتب عليه من تأثير على ما سيؤل  إليها وإلى الأولاد من أموال . وإن الدافع المادي هو سبب الممانعة والاعتراض .. وليس الحرص على بناء الأسرة .


أيقنت ساعتها .. أن الدافع المالى هو المحرك الأساسى لها وهو سبب التغيير الجوهرى الذى اقتحم علينا حياتنا الأسرية .. وغير من طباعها وسلوكها .. وقلب كيان الأسرة .


تفكرت قليلا ... وقلت قاصدا كل حرف


ـ يوم أن أتزوج .. تأكد يا بنى أننى سأكون حريصا على حقوقكم ولن أجور عليها .. ثم إن الخير كثير .. فلا تخش شيئا . هذا من ناحية . ومن ناحية ثانية أنتما عندي أعز ما أملك .


وعامدا أردت أن أغير موضوع الحديث .. فأخذت أسأله عن المذاكرة .. وكيف تسير الأمور معه و خاصة أنه فى "الثانوية العامة " .. وأننى أتعشم أن يحصل على مجموع كبير يؤهله لدخول كلية تحقق أحلامه وطموحاته وطلبت منه إن كان في حاجة إلى مزيد من الدروس الخصوصية فلا يتردد في إخباري وإن كنت أرى أن كثرة خروجه للدروس سيكون على حساب الوقت المخصص للاستذكار . وأخذت منه أرقام تليفونات مدرسيه  الخصوصيين حتى يمكنني متابعة أخباره معهم. وكم كانت دهشتي عندما علمت من المدرسين الذين اتصلت بهم أنه غير مواظب على الحضور وغير مهتم بالمذاكرة الأمر الذي أدهشني .. فدخلت عليه حجرته ذات مساء . لمناقشته بشكل هادئ


- ما هي أخبارك .. وكيف حالك في المذاكرة الآن ؟!


- اطمئن يا بابا .


- كيف أطمئن يا سعيد يا بني .


- يعنى .. أنا بذاكر كويس


- كيف ومدرسوك يقولون إنك غير مواظب على الحضور وغير مهتم بالمذاكرة .


لاذ بالصمت .. وهرب بنظراته الى الأرض .


" ألم يكن يتصور أننى سأقوم بالسؤال عنه ؟! .. هل يتصور أنني غير مهتم بأمره ؟! وأنني أخذت منه أرقام التليفونات لمجرد الإيحاء إليه بأنني سأتابعه فقط ؟! 


- وإذا لم تكن تحضر دروسك .. فأين تقضى وقتها وخاصة أنك تخرج بهذه الحجة ؟!


طال صمته .. فأثارني .. فصرخت به ؟!


- أجبني .. أين تقضى وقتك ؟!


- في الشارع .


- مع من ؟!


- مع زملائي .


- وهل لا يذهبون إلى دروسهم مثلك ؟!


صمت ثانية . فعلاً صوتي مرة ثانية طالبا منه الإجابة .


- لا .... إنما يكون ذلك مع من لا يكون لديهم دروس .


حضرت أمه على صوتي العالي .. وبقيت الابنة في حجرتها .


- إيه .... فيه إيه ؟!


- الأستاذ غير منتظم في دروسه .


- لأنه لا يوجد الأب الذي يتابعه في دروسه .


- وأنت ماذا تفعلين يا ست سلوى


- كفاية على شغل البيت .. هو أنا مش لحم ودم ..ولا عايزني أقطع نفسي .


تحول الحوار من بيني وبين ابني .. إلى مشاجرة بيني وبينها .. عن من هو المقصر في متابعة الأولاد .. أنا أم هي .. الأب أم الأم .


- أقعد في البيت .. وتابعه .. أنت كل يوم بتخرج بتروح فين . مش كفاية البنت خابت ناوي تخلى الولد  يخيب هو الآخر .


جن جنوني .. في لحظة حملتني مسئولية عدم توفيق الابنة في دراستها الثانوية . وعدم انتظام الولد في دروسه ..وربما المسئولية عن كل مشاكل العالم .علا صراخنا معا .. وانتهى الأمر .. بانسحابها إلى حجرتها وإغلاق الباب خلفها .. وانسحابي أيضا إلى حجرتي ... وارتداء ثياب الخروج .. والهروب من البيت ومشاكله إلى وكر الطمأنينة والأمان . الأمر الذي كان يتكرر كثيرا .


-9-


 بعد أن عدت ليلا .. وقد هدأت نفسي .. ودخلت على ابني في حجرته وكان يجلس على مكتبه يستذكر دروسه . جلست أمامه على الفراش .. وجها .. لوجه .


- يا بني .. لم أكن أتمنى أن يصل بك الحال إلى ما وصل إليه. وكنت أتصور أنك أكثر من ذلك عقلا . وأكثر وعيا وإدراكا لمصلحتك . فعامك الدراسي هذا عام حاسم في تحديد مستقبلك . وأنا أعتقد أنك لا يرضيك أن يكون أي من زملائك أفضل منك .. أو تكون أختك أفضل منك . وأنت الرجل . الذي سيتحمل مسئولية الأسرة من بعدى . أفق إلي نفسك وأبحث عن صالحك ولا تجعل  المشاكل التي تحدث أمامك في المنزل تؤثر على مذاكرتك .. ارمها خلف ظهرك . سكت قليلا . يتذكر ما اتفق مع زهرة على تلقينه للولد . كلما تذكر شيئا قاله له . وابنه صامت ساكن في مكانه وعندما أدرك ذلك قال له :


- إيه يا بني .. هو أنا أتحدث مع نفسي . مالك لا تقول شيئا .


- ها أقول إيه يا بابا .


- قوللى ناوي على إيه .. لم يعد أمامك وقت طويل على الامتحانات .. ويمكنك تدارك الأمر .. لو ضغطت على نفسك شويه . وأنا ليس لي سواك أنت وأختك .. اللي تطلبه منى أنا جاهز ..


- لا تطلق ماما .


- لك على ألا أفعل ذلك ..


تفكر قليلا في رد الولد


- لكن ما الذي يجعل هذه الفكرة مسلطة على ذهنك إلى هذا الحد


- من كثرة كلام ماما .. بقيت خايف عليها وعلى أختي وعلى نفسي .


- طب يا بني لو كان إحساسك قوى بالمسؤولية كده مش كان يبقى ده دافع كويس أنك تذاكر كويس وتشد حيلك


- كل ما أجي أذاكر .. أفتكر كلام ماما .. أسيب الكتاب مفتوح واقعد أفكر .


- طب وعد منى أنني لن أطلقها . وسنظل أسرة كويسه على قدر المستطاع . مقابل كده عايز وعد منك إنك تلحق نفسك وتشد حيلك شويه عن كده . إيه رأيك .


ـ خلاص .. يا بابا .. أوعدك .


وانفرجت أساريره .. فقمت من مكاني .. واحتضنت أبنى وأخذت أقبله ... وأدعو له بالهداية والتوفيق .. ودخلت إلى حجرتي .. ونمت نوما عميقا .


 


-10-


 


ولما حكيت لزهرة عما دار بيني وبين ... سعيد . صمتت لحظات تتفكر . وقالت .


- هذا ما كنت أعمل له ألف حساب .


- ماذا تقصدين .


- أقصد .. أن يتأثر الأولاد بما بيننا .


- وما هي العلاقة بين ما بيننا وما قاله سعيد ... إن أوهام أمه  التي زرعتها فيه هي التي جعلته يفكر أو يتأثر بهذا الشكل.


- لا تنس أنها حقيقة وليست أوهاما .


- نعم .. لكن بالنسبة لسلوى .. ليس لديها دليل واضح على زواجنا . وبالتالي فما يجرى منها ما هو إلا توهم . بصرف النظر عن قربه من الحقيقة أو بعده .


- لن نحول الموضوع إلى قضية فلسفية . المهم .. لقد أحسنت في ردك عليه واحتوائه . ولكنى أرى أن تطيل فترات بقائك فى البيت من اليوم .. كما كنت تفعل من قبل ... حتى تعطى لهم جميعا الانطباع بأنه لا يوجد أي شيء مما يتصورونه . ثم إن عليك أن  تتابع سعيد مع المدرسين الخصوصيين له . وتسألهم عنه ولا مانع من أن تذهب إليهم  وهو عندهم ليشعر بجديتك معه . خللي الواد يعدى السنة دى على خير ويدخل كلية كويسة .. ويحط رجله فيها .


وجدت كلامها .. منطقيا .. فاستجبت لها . واتفقنا على أن يكون لقاؤنا يوم الجمعة من كل أسبوع .. وإن أتيحت فرصة .. أثناء ساعات العمل . وكانت تتاح بكثرة . مما جعلني .. أشعر بأنني أعيش حياة أخرى تماما عن التي كنت أحياها من قبل . عدت إلى نفسي .. وعادت إلى معنوياتي وحبي للحياة .. وإقبالي عليها . استرددت ابتسامتي العريضة التي كانت ترتسم على شفتي . وغادرت الكآبة ملامح وجهي بعد أن عششت فيها سنوات طوال . واستقر الأمر فى بيتي وأصبحت أتعامل مع سلوى كأنها غير موجودة في حياتي . أنهض من نومي لأجد طعام الإفطار معدا لي وللأولاد فأتناوله .. وأخرج لعملي  .. وأعود من عملي لأجد الغداء معدا فأتناوله وأدخل حجرتي .. أتمدد على فراشي .. وأقرأ جرائد اليوم التي أحضرتها معي .. عند عودتي . تاركا باب غرفتي مفتوحا .. لألحظ حركة الداخل والخارج من الأولاد . وبعد أن كنت أترك التليفون فى الصالة .. أحضرته إلى حجرتي .. لأتابع مستعمله من الأولاد .. وأجاوب على الطالب . بكل ثقة بعد ما اتفقت أنا وزهرة على إلغاء الاتصالات الهاتفية من المنزل . وأصبح الأولاد يشعرون بى موجودا معهم في المنزل . وزادت فرصة التواجد معا .. والتحدث معا . بل اعتاد سعيد كلما عاد من  دروسه المسائية أن يدخل ويجلس معي بعض الوقت ؟؟ نتجاذب أطراف الحديث ؟؟ وكذلك هدى التي كلما كانت تغادر المنزل في المساء  . وكانت هي التي تتولى إيقاظي  من النوم لأداء صلاة الفجر كل يوم . وفى الأيام التي لم تكن تصلى فيها بسبب العادة الشهرية .. أعانى من عدم الاستيقاظ في الموعد .. إلى أن أعتدت الأمر وأصبحت انهض من نفسي لأدائها في موعدها . وكم كانت سعادتي بالغة .. بعودة الألفة بيني وبين أولادي  . فكنت أدعو لزهرة في صلاتي .. وأحمد الله أن رزقني هذه الإنسانة التي أعادت لي الاتزان والسكينة وأعادت إلى بيتي   الهدوء والاستقرار . وإن لم يسلم الأمر من بعض الزوابع التي كانت تثيرها سلوى بين الحين والآخر . عندما تطلب شراء أي شيء للبيت ولا يتم إحضاره في الحال . وهكذا .. مضت بى الأيام حتى حصل سعيد على "الثانوية العامة "... وسعيت في إلحاقه بكلية الشرطة بكل ما أتيح لى من إمكانيات .. وسارت هدى فى دراستها بكلية التجارة بانتظام وكان نجاحها كل عام بتقدير جيد جدا . حتى أنهت دراستها ثالثة على الدفعة وتم تعيينها بالجامعة . وأنهى سعيد دراسته بالشرطة ... واستلم عمله بالصعيد . ولا يحضر إلا كل شهر .. فى إجازة لا تتعدى الأسبوع .


-11-


بعد ما استقرت بى الحياة .. وهدأت الأمور فى المنزل ودارت عجلة الأيام بروتينها . وجدت نفسى أفاتح زهرة ونحن فى عشنا .


ـ ايه رأيك .. نعلن الآن .. زواجنا . فا الحمد لله .. استقرت بى الأمور .. ولم يعد هناك ما نخشاه .


ـ و هذا هو السبب .. الذى يجعلنى أقول لك .. لم يحن الوقت بعد


ـ كيف ؟! ولماذا ؟!


ـ ما دامت الأمور مستقرة .. فلماذا نخلق لأنفسنا المشاكل ونفتح بابا نحن فى غنى عنه . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى . أرى أن ننتظر حتى تزوج ابنتك على الأقل وتطمئن عليها .


ـ يا زهرة .. نفسى أخرج معك .. يدى فى يدك وأقول للناس كلها .. هذه المرأة زوجتى .. وسبب سعادتى . أتباهى بك أمام الناس فهذا حقك على .


ـ والله نفسى أنا أيضا .. أضع ذراعى فى ذراعك وأسير معك فى الشارع مرفوعة الرأس بدلا من أن آخذ منك حقى ... وأنا أتسلل إلى شقتنا كاللص وبداخلى احساس أننى آخذ ما ليس لى ولعلمك هذا الإحساس مازال .. ملازماً لى .. إننى أشعر أننى سرقت من سلوى زوجها


ـ سلوى هى التى أضاعت من نفسها زوجها .. وأنت وجدتيه ملقى فى الشارع .


ـ بعد الشر عنك يا حبيبى .


امسك بيدها .. رفعها إلى فمه ليطبع عليها قبله .. امتنان . وهو يقول


ـ انى أحمد الله .. أن وهبنى اياك . حافظت لى على بيتى وأولادي . وأعدت لى نفسى الضائعة . ولو كنت تعرفت على واحدة من اياهم .. كانت جعلتنى أضعت كل ذلك .. بل وكانت قلبت حياتى جحيما . فالحمد لله أن وهبني إياك .


ـ ليس لأنك أمامى .. والله من خلفك أقول ذلك لنفسى ولمن يعرفنا من الأقارب والأصدقاء .. إنك نعم الرجل ... وإنني لم أشعر أن عشت فى كنف رجل إلا وأنا معك . أبقاك الله لى ولأولادك شافيا عافيا .


 


-12-


 


وذاقا معا كأسا من الهناء . تقدم لهدى ابنتى احد زملائها فى الجامعة خاطبا .. ولما وجدته مناسبا لها .. وافقت وأخذنا جميعا نعدونه العدة ليوم الزفاف . وكم كانت دهشتى شديدة أن تفجرت المشاكل بين سلوى وابنتها فى هذه الأيام . لا يمر يوم الا ويعلو صوتهما معا . الأم تريد شيئا وهدى تريد خلافه .. او العكس . وعندما يصل بهما الأمر إلى هذا الحد تصرخ بها سلوى .


ـ إذا لم تفعلى ما أطلبه منك فلا دخل لى بشىء .. اذهبى من أمامى .


وتأتى لى هدى .. شاكية من أمها .. فأهدىء من انفعالها وأطيب خاطرها .. حتى أعرف حقيقة المشكلة .. ثم أطلب منها الهدوء والانتظار بعض الوقت وأنى سوف أتصرف حتى أخذ رأى زهرة . وفى غالب الأمور إن لم يكن كلها . كان فى صف هدى . فكنت أفعل لها ما تريد ... إن كان شيئا تريد شراءه .. أو أشياء تريد اعدادها فى شقتها . وإذا كان الأمر يتطلب شراء أى شىء من لوازم العروسة . كانت زهرة هى التى تقوم بشرائه وكم كانت سعادتى إن كان ذوقها فى اختيار الألوان أو الأشياء ينال الرضا والثناء من هدى . حتى إنها كانت تتشكك وعندها كل الحق .. في أنني أنا الذي اشتريت هذا الشىء كما كنت أدعى لها . حيث كانت معظم الوقت مشغولة فى الجامعة أو اعداد الدروس فى المنزل . وعندما كان أهل العروس يبلغوننا بزيارتهم .. كنت أنا وهدى ندخل على سلوى حجرتها .. ونمهد ونتودد لنجبرها بالزيارة حتى تقبل التواجد معنا  .. وعدم إثارة مشاكل أمام الزائرين . وعندما كنا نولم لهم كان الأمر يتطلب إعداد طعام الوليمة .. قالت من البداية إنها ليس لديها الاستعداد لعمل أي ولائم في المنزل .. ولما أخبرت زهرة بذلك تولت هي إعداد الطعام وكنت أذهب لإحضاره من عندها وأدعى أنني أحضرته من أحد المطاعم المتخصصة في إعداد الولائم المنزلية .. حتى حانت ليلة الدخلة. قامت زهرة بإعداد كل متطلبات العروسة من طعام وكعك ولوازمه .. لست أدرى أين .. ولكن كل ما أدريه وأدركه تماما انها أجهدت نفسها أياما وليالى تقوم بهذا العبء . الأمر الذى جعلنى فى حاله اتصال دائم بها خلال تلك الأيام .. لدرجة أننى تصورت أنها هى الأم الفعلية لأبنتى وليست سلوى وبعد انتهاء الليلة .. أخذت على عاتقها مسئولية إمداد العروس بالطعام لمدة أسبوع كامل .. تعده في منزلها بعد شراء كل متطلباته بنفسها .. وكانت تعد لى ورقة يوميا بالمطلوب من حلويات وفواكه أقوم بشرائها وأذهب إليها لأجدها قد انتهت من إعداد الطعام لآخذه في السيارة وأذهب به إلى أبنتي .. حتى إذا انتهى الأسبوع .. وفى أثناء جلوسي مع هدى وحدنا فى شقتها بعد انصراف الزوار . قالت :


ـ أنا مش عارفة أقولك إيه يا بابا . ربنا يخليك لى .. كنت بابا وماما .. وكل حاجة لى .


ـ ماذا تقولين يا ابنتى .


قامت من مكانها .. وألقت بنفسها فوقى .. وأخذت تقبل رأسى .. وأمسكت يدى تقبلها .. وانحنت لتقبل قدمى . فرفعتها ....... واحتضنتها قائلا :


ـ ماذا تفعلين يا ابنتى .


جرت الدموع فى عينى .. وأخذت أقبلها وأدعو لها بالسعادة والهناء . وقلت لها .


ـ عندما .. يرزقك الله بالأولاد .. سوف تدركين ان ما فعلته من أجلك لم يكن شيئا يذكر .


ـ ما يحز فى نفسى .. هو ما فعلته أمى . وان كان ما فعلته أنت قد انسانى كل شىء !


ـ احمدى الله على أن كل شىء تم على خير .. وألقى وراء ظهرك بكل السلبيات . وافتكرى أنها مهما فعلت فهى أمك .


جرت الدموع فى عينيها .. فهتفت بها .


ـ لا .. يا عروسة .. ليس هذا يوم دموع .. ومد يده يمسح دمعها الذى جرى على خدها .


رسمت ابتسامة عريضة .. على شفتيى . وقلت لها .


ـ لا تلهينى على السؤال الذى كنت أريد أن اسأله لك طالما أنا الذى أقوم بدور الأم والأب .


ـ ما هو .


فقلت ضاحكا  .


ـ ايه .. أخبار ليلة الدخلة ؟!


ـ اطمئن يا بابا .


وتعالت ضحكاتهما .. فقمت لأنصرف . إلا أنها أقعدتنى قائلة .


ـ قوللى أنت الآن .


ـ خير .


ـ مين اللى كان بيعمل لى الأكل .


فنظرت اليها مرتبكا .... فأكلمت حديثها .


ـ ما تحاولش تقنعنى .. إن ده عمل مطاعم .


فارتسمت على وجهى ابتسامة مرتبكة .. فأشفقت على ولم ترد أن تعكر صفوى .


ـ عموما .. قول لها .. أنا متشكرة جدا .. وأننى أحسست مما فعلته من أجلى .. أنها أمى .. فعلا .


ـ فليبق كل شىء بيننا سرا ... إلى أن يأتى اليوم الذى أعرفك بها  .


ـ بلغها سلامى حتى هذا اليوم .. وقل لها إننى مشتاقة جدا لأن أعرفها وأقبل يدها ! .


فانصرفت .. أكاد أنكفىء .. من تضارب ساقيى ببعضهما .


 


-13-


 


ما إن خرجت من عند ابنتى فى يوم السبوع .. حتى سارعت الخطى الى سكنى ... وزوجتى زهرة . حيث كانت فى انتظارى حسب اتفاقنا ... وما إن دخلت عليها حتى عانقتها عناقا حارا .. وجلسنا .. أقص عليها كل ما حدث بينى وبين ابنتى  . حتى إذا فرغت قالت لى .


ـ ما كان هناك داع لإخبارها الآن


ـ البنت فهمت وحدها . ولم أستطع أن أكذب عليها .. كما أننى أعتقد أنها لن تقول ذلك لأحد  .. وقد كبرت بما فيه الكفاية .


ـ ربنا يستر .


ـ دعك من ذلك الآن  .. أنا أريد أن نأخذ بعضنا ونسافر إلى أى مكان وحدنا .. كام يوم . نرتاح فيهما من العناء الذى مررنا به فى الأيام القليلة الماضية .


ـ وكيف نسافر .. وابنى . أين أتركه .


ـ يا ستى .. الواد صغير .. إما أن تحضريه معنا .. أو تتركيه عند أمك .. أو احدى شقيقاتك . والحجج كثيرة .. رحلة فى شغل إلى الإسكندرية .. أو أى كلام  يمكنك قوله .


واتفقنا على السفر صباح الغد .. وكان يوم ثلاثاء .. الى الاسكندرية  على أن تكون العودة يوم الجمعة آخر اليوم . ثم ذهبت الى منزلى وأعددت حقيبة سفرى .. وأخبرت زوجتى أنى مسافر الى القاهرة ... دورة تدريبية فى العام وسأعود يوم الجمعة . فقالت لى ..


ـ اترك مصاريف المنزل .. وأذهب كيفما تشاء!! .


فحمدت الله أن كل فكرها  منصب على المصاريف .. وتركت عل المنضدة فى الصالة صباح اليوم التالى قبل أن أغادر المنزل ما قدرت أنه أكثر مما سوف تحتاجه .


وفى موقف السيارات وجدت زهرة فى انتظارى ومعها حقيبة ثيابها . واتصلت من الموقف بابنتى هدى .. أخبرها بسفرنا .


وقضيت أجمل أيام عمرى .. مع زوجتى زهرة .


عاد سليمان وزهرة من الإسكندرية ... وهو يتمنى من كل قلبه أن تكون أيامه الباقية له فى الدنيا .. كهذه الأيام . وقد حاول قدر استطاعته أن يرد لزهرة شيئا مما قدمته له ولأبنته . وان كانت كلما جنحا بحديثهما الى تلك الأيام ترفض تماما أن يكيل اليها المديح قائله :


ـ لا تتحدث عن الأمر بهذا الشكل .. فما أنا إلا زوجتك التى تعيش معك على الحلوة والمرة .. وابنتك ما هي إلا ابنتى .. كما أننى واثقة أنك لو كنت أنت مكانى أو لو كانت هذه المناسبة تخص ابنى لكان موقفك معى سيكون أكثر مما فعلت . ثم أننى فى الأول .. وفى الآخر عملت ايه يعنى .. غير الواجب.


 


كان يشعر بالصدق فى قولها  .. يغزو قلبه فيغمره بمشاعر فياضة نحوها . ويحفزه أن يكون أكثر حرصا عليها .. وأكثر حبا ووفاءا لها . فلقد قدمت له الكثير . وها هو يرى أن الوقت قد حان ليقدم لها شيئا مما تستحقه .. فعزم أن يعلن زواجه منها ولو من طرفه هو فقط . وعندما فاتحها فى أول لقاء لهما بعد عودتهما . واجهته بإصرار عنيف قائلة له :


ـ لن يتم هذا الأمر الا باتفاقنا التام . وأنا من ناحيتي لا أرى الوقت  مناسبا لذلك على الإطلاق وأكملت وهى تضحك .


ـ تصور ..! يظهر أن الواحدة قد أخذت على هذا الوضع  ولم تعد تريد تغييره .


وبعد مجادلات طويلة .. ونقاش استمر بينهما أياما . عجز عن اقناعها بما يريد . اتجه بفكره الى ناحية أخرى .. لماذا لا يفتح باسمها دفتر توفير فى بنك أو بالبريد . ويودع به مبلغاً يؤمن لها مستقبلها .. هى وابنها . لكن ألن يكون فى ذلك جور على حقوق ورثته الشرعيين . فكيف يودع باسمها ولا يودع باسم باقى الورثة .. حتى يكون عادلا بينهم . وإذا أراد فعل ذلك .. فأين بالسيولة التى تسمح له بذلك ؟ فاستقر رأيه على أن يودع لها مبلغا صغيرا كبداية . وعندما طلب منها صورة البطاقة العائلية الخاصة بها ليقوم بذلك  . سألته عن السبب وعندما أخبرها بما انتواه رفضت بشدة أن تعطيها اياه . ورفضت الفكرة من أساسها قائلة .


ـ ألست عندى أكثر وأكبر من أى فلوس . ثم إنك لم تتركني فى أى وقت فى حاجة لأى  شىء . وتصرف على وعلى ولدى . ماذا أريد أكثر من ذلك ..


ـ يازهرة .. انت لا تدعينى أصرف عليكما .. وكلما أعطيتك أى مبلغ وفى أى مناسبة لشراء أى شىء لك كساءا أو طعاما .. ترفضين بحجة أنك معك ما يكفيك . وبصراحة أنت كده تعبانى خالص  .. ولست واثقا من أ ننى أ عدل بينك وبين سلوى . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى .. أنا عايز أريح ضميرى من ناحيتك وأكون مطمئنا عليك لو قدر الله شيئا آخر .


ـ أو تعتقد .. أن أى فلوس سوف تتركها لى سوف تعوضنى عنك لا قدر الله . وانتهت محاولاته الى لا شىء . كما انتهت أية محاولات أخرى معها . ولم يعرف كيف يتصرف حيالها .بعدما أوصل زهرة الى منزلها .. مر فى طريق عودته الى بيته على ابنته هدى .. حيث كانت زهرة قد اشترت لها حقيبة جلدية قيمة .. أعجبتها .. وطلبت منه اعطاءها اياها كهدية خاصة منها .. ورفضت أن يدفع هو ثمنها . بالاضافة الى أنه كان قد اشترى لها ولزوجها .. أشياء أخرى .. وحيث إن زوجها .. كان يتعمد عندما يذهب الى زيارتهما . أن يتركهما وحدهما بعض الوقت لعل بينهما ما يريد أن قوله فى عدم حضوره  . وخاصة أنه كان يدرك مدى تعلق كل منهما بالآخر . فلما فعل ذلك . قال لها وهو يشير الى ما أحضره معه وكان قد تركه بجواره .


ـ زهرة  اشترت لك هدية   .. وأصرت على أن تكون من مالها الخاص .. وتأمل أن تكون على ذوقك . فقالت وهى جالسة مكانها لم تتحرك لتعرف ما هى الهدية ؟


ـ لا .. يا سى بابا . لا تضحك على . أنا لن أقبلها إلا اذا قدمتها لى بنفسها . وسيكون ذلك هو اليوم المناسب جدا لتعرفنى بها كما وعدتنى .


ـ اليوم المناسب وعرفناه .. طب وأين المكان المناسب  .


ـ تشرفنى هنا وفى أى وقت .


ـ كيف يا ابنتى ؟! قال ذلك وهو يبدى انزعاجا ظاهرا مشوباً بالدهشة !.


ـ وفيها ايه ؟! تشرفنى كأى صديقة .. تزورنى . ثم قالت وهى تضحك .


ـ وان كنت سيادتك خايف تيجى معاها ... فلتحضر هى  وحدها فى أى وقت يناسبها .. فقط .. أخبرنى بالموعد قبلها حتى أكون على استعداد لها .


ـ لكن ذلك سيتطلب جرأة شديدة منها .. وربما ترفض فكرة الحضور الى هنا .


ـ إذا حدث ذلك . ايه رأيك أروح لها أنا فى مسكنها أو أحضر لكم فى شقتكم . بودى لو أراها .. أكيد ذوقها فى الشقة سيكون ظاهرا  .


ـ طيب أعطينى فرصة أتكلم معها فى ذلك


ـ موافقة .. وأنا واثقة من قبولها .


وهم واقفاً يريد الانصراف تاركا الهدية . فجذبته من ذراعه قائله .


ـ ألم نتفق . خذ الهدية معاك .


ـ طب خليها هنا .


فرفضت بإصرار


ـ لكن .. أين أحتفظ بها .


ـ فى السيارة ... أو أعدها لشقتكما .


فاضطر الى اعادتها الى الشقة .. وتحدث مع زهرة هاتفيا فيما حدث من ابنته . فأبدت تمنعا فى البداية فى الذهاب اليها رافضة فكرة حضورها فى الآن وخاصة أنها عروسة وأنه من الواجب أن تقوم هى بزيارتها أولا .. ثم بعد ذلك تحضر هدى الى شقتهما كما تشاء وفى أى وقت . فالبيت بيتها كما قالت  . واتفقا على أن تكون هذه الزيارة مساء الغد وتمنت على الله التوفيق . على أن يحضر الهدية من الشقة ويمر عليها لاصطحابها الى أسفل العمارة التى تسكنها هدى ويتركها تصعد وحدها ويعود الى شقتهما فى انتظار أن تنتهى من الزيارة وتعود اليه .


فى مساء الغد ارتدت زهرة أكثر ثيابها .. اناقة .. وحاولت قدر المستطاع .. أن يبدو جمالها وقورا .. فلم تكثر من أدوات الزينة  .. وحاولت أن تكون طبيعية قدر المستطاع . وعندما سمعت صوت سيارة سليمان أسفل العمارة .. خرجت اليه .. لم يتبادلا الحديث خلال سيرهما حيث كان القلق الشديد  يعتمل داخل كل منهما .. ويحاول كل منهما ناحيته أن يسيطر عليه ... ويتماسك قدر المستطاع .. حتى إذا أوصلها .. عاد الى سكنها فى انتظارها . طرقت زهرة الباب . مرت ثوان كأنها دهر طويل وانفرج الباب على هدى . تأملتها لحظات .. ثم انفرجت أسارير وجهها .. ارتبكت .أتأخذها فى أحضانها .. وتقبلها .. أم تكتفى بالسلام باليد  .. مع ترحيبها الشديد . ظلتا واقفتين لحظات تبتسمان فى سعادة .. ثم اندفعت كل منهما الى أحضان الأخرى . وقد علا صوتاهما وهما ترحبان كل بالأخرى .. حتى وصل الصوت الى زوجها .. فخرج يستطلع الأمر . ناظرا من بعيد لشخصية القادم ثم عاد الى حجرة النوم . وجلستا معا فى الصالون متجاورتين بل ملتصقتين .. تأبى كل منهما مفارقة الأخرى تتحدثان كما لو كانتا متعارفتين منذ عمر طويل .. فى أى شىء .. وكل شىء .. حتى هدأت مشاعرهما .. بعد وقت طال بعض الشىء . قالت هدى .


ـ أعتقد أننى لو تمنيت زوجة لبابا .. لم أكن لأتمنى أفضل منك .. أقول ذلك بدون مجاملة .


ـ ده كله من ذوقك يا هدى .


ـ الآن .. قبلت الهدية .


وعلا صوت ضحكهما من جديد . وقامت هدى من ناحيتها بواجب الضيافة على أكمل وجه . واصطحبتها فى جولة كعادة العرائس . لتشاهد شقة الزوجية .. وكم كانت سعادة هدى بزهرة تزداد كلما وقفت أمام قطعة أثاث أو ديكور .. مزهوة بها .. لتستشف من نظرات زهرة أنها  تعرفها  مما يعنى أنها هى التى قامت بشرائها نيابة عن الوالد . وعندما كانت تسألها . تيتسم فى صمت ولا تجيب فكانت هدى تحتضنها فى سعادة كالطفلة . وبعد أن تجولتا فى الشقة  .. عادا إلى مجلسهما .. لبعض الوقت . وعندما تأهبت زهرة للانصراف .. أقعدتها هدى قائلة .


ـ دخول الحمام .. ليس كالخروج منه . لن أدعك إلا بعد العشاء .


ـ سامحينى .. مرة ثانية ..


حاولت هدى أن تقسم بأنها لن تتركها الآن إلا أنها سارعت قائلة .


ـ لا تقسمى يا حبيبتى .. بابا فى انتظارى .. يريد أن يطمئن هل نجحت فى الامتحان أم لا . وضحكتا ... فقالت هدى :


ـ ايه ده يا عم  .. ده  أنت أخذت الدكتوراة على طول . واستمرتا فى ضحكتهما .. وتعانقتا قبل أن تتركها زهرة راحلة .. على وعد بتكرار الزيارات وتبادلها .. والاتصال هاتفيا .. بعد ما تبادلتا أرقام الهواتف . دخلت هدى على زوجها والسعادة .. تقفز من وجهها .. تأملها قائلا .


ـ من هى هذه السيدة . التى أسعدتك كل هذه السعادة


سكتت لحظات ..


ـ انها والدة صديقة قديمة لى ... كانت مع زوجها الذى يعمل فى الخارج . وكانت مثل الأم لى .


 


-14-


 


سر سلمان كثيرا لنجاح المقابلة بين زهرة وهدى . واعتبرها بداية تبشر بالخير لإعلان الزواج .. الذى دام سنوات . واعتبرها مناسبة جديرة بالإحتفاء بها .. وأصر على اصطحاب زوجته والعشاء بالخارج والسهر معا هذه الليلة . وبعد ممانعة منها لتفضيلها دائما الطعام الذى تعده بيدها فى المنزل ... عن أى طعام تأكله فى الخارج . وكانت السعادة بادية عليها طوال السهرة . لم لا .. وقد ذابت أول صخرة كان يتوقع وجودها فى طريقه . فالبنت دائما ترفض إقدام والدها على الزواج من غير أمها . وابنته .. أصبحت هى المرحبة الأول بزوجة ابيها . ليس هذا فقط بل وأصبحتا صديقتين منذ اللقاء الأول .


وأصبح سليمان أكثر جرأة عن ذى قبل .. وخاصه أن ابنه يعمل بعيدا .. وزوجته قد أتمت عزل نفسها عن الناس .. فلا تزور أحدا ولا يقدم على زيارتها أحد . من البيت للمسجد ومن المسجد للبيت . لتغلق على نفسها باب حجرتها وهى دائما إما نائمة .. أو تصلى .. أو تستمع إلى المحطات الفضائية المتخصصة فى الناحية الدينية . لدرجة أن طلب من زهرة .. أن يزورها فى مسكنها . لولا أنها تعللت بالجيران .. قال لها .


ـ الجيران يروننى دائما وأنا أنتظرك فى السيارة أسفل العمارة . وبدلا من أن سيتقولون عليك .. بزيارتى لك . فى المنزل وبشكل علنى فسوف يجعلهم ذلك يفسرون الأمر بأنه زواج وهكذا ننهى هذا الموضوع . فوافقت بعد تردد شديد . وخاصة انها كانت تخشى من رد فعل طفلها الذى بلغ عمره الآن إثنى عشر عاما . إلا أن سليمان كان دائما .. ما يجلب له الحلوى والألعاب التى تشغله عن كل ما حوله . بل واصبح دائما ماينتظر حضوره ويسأل أمه عنه .. ان تأخر فى الحضور . كما أنه كان عندما يتصل بزوجته .. ويرد هو على الهاتف .. كثيرا ما كان يتحدث معه طويلا . وعلى ذلك أصبحت المياه كلها تصب  فى مجرى واحد .. وفى اتجاه واحد . وحدث أن ذهب سليمان إليها يوما وابنها كان فى درس خصوصى عند ابن للجيران .. فوجدا الأمور مهيأة أمامهما ففضلا البقاء وعدم الذهاب الى الشقة الثانية .. وخاصة أن الجو كان مطرا وأوى الى الفراش معا . وفى النهاية أخذ حمامه هناك .. وخرج وكان الولد لم يعد بعد من دروسه . وتكرر.. ذلك بعدها مرارا كلما سنحت الظروف . الى أن جاء الوقت الذى طرحت عليه فكرة التخلى عن الشقة الثانية .. طالما أصبحت الحاجة إليها غير ملحة . ويمكن الاستغناء عنها .. ففعلا وبعد قليل سافرت زوجته سلوى لأداء العمرة .. وأصبح وحده فى المنزل وكانت تذهب اليه زهرة .. وتعد له الطعام ويتناولانه معا وينامان معا فى فراشه .. علما بأن زوجته كانت قد أغلقت حجرتها بالمفتاح واحتفظت به معها .. بل وفى ليال كانت تحضر ابنها معها وتنامان معا حتى الصباح فى شقته .. مما شجعه على أن يطلب منها البقاء معه الأيام الباقية على عوده سلوى . ولم تمانع . وكانت متعة افتقدها سليمان كثيرا .. أن ينام وفى أحضانه المرأة التى يحبها .. يتنسم عبيرها ... وينعم بحنانها .. ويستيقظ على ابتسامتها .. وهى تلقى عليه تحية الصباح .. وقد سبقته فى الاستيقاظ وأعدت الفطور لهما .. ثم يخرجون منها الى مدرسه ابنها ومنها الى عملهما معا . كانت متعة كثرا ما تمنى سليمان دوامها .. فأعاد طرح فكرة الانفصال عن سلوى على زهرة من جديد . قائلا لها .


ـ أنا اليومين دول فقط . أحسست أننى عدت شابا . من شدة ما أنا فيه من نعيم وهناء .. لوجودنا معا . فكيف إن دام الأمر لنا . فأعادت وكررت رفضها .. مضيفة هذه المرة . أنها وبصراحة شديدة ... لا تريد منه أن يظلم سلوى . وكفى ما هى فيه من وحدة . ويكفيها حياتها التى لا تسر عدوا  ولا حبيبا . فلا داعى لأن تزيد هى من آلامها وتضاعف من همومها . كما أنها أصبحت تعانى من أمراض فى القلب والروماتيزم وهى فى حاجة لمن يرعاها الآن .. فلا يجوز أن تتخلى عنها فى هذه الظروف . فرد عليها مبررا موقفه بأنها تستحق ما هى فيه لأنها سعت اليه وعملت من أجله . وأنها لو كانت حرصت عليه لحرص هو عليها أكثر .. وما موقفها من ابنتها ببعيد . الا أنها رفضت  ذلك تماما بل واستعانت عليه بابنته هدى . التى قدرت لها هذا الموقف مما زاد من محبتها لها أكثر .


-15-


 أحيل سليمان إلى التقاعد .. وأصبح تواجده فى المنزل دائما .. واستقر أمره .. على أن ينهض من نومه متأخرا ويتناول فطوره .. ثم يخرج لشراء الجرائد . وارتياد مقهى وجده قريبا من مقر عمل زهرة . حتى موعد انصرافها من العمل . ليصطحبها الى منزلها .. للتناول الغذاء .. ويظل عندها حتى يتناول عشاءه .. ثم يذهب الى بيته لينام فيه . وأحيانا ما كان ينام معها حتى الصباح واعتادت هدى على ان تمر على والدتها .. وتقوم باعداد طعامها بالأسبوع وتحتفظ بها بالثلاجة .. تحت طلبها . بل وطلبت زهرة من هدى يوما .. أن تذهب معها فى احدى المرات للتعرف اليها على أنها صديقة لهدى . أو جارتها وترغب فى التعرف على والدتها .. وتوقف سليمان عن التفكير فى طلاق سلوى . وإعلان الزواج الذى أصبح كما لو كان معلنا بالفعل . وانتقل أحمد للعمل فى محافظة قريبة .. وتقدم لخطبة فتاة تعرف عليها عن طريق أصدقاء له . ولم يمانع سليمان وخاصة بعد أن تعرف الى أهلها  . وتم زواجه منها بالفعل وأقاما فى المدينة التى يعمل بها .


واستمر سليمان حيا .. تحت ظلال زهرة .                 


               


 


           



صدر حديثاً :


 


 













































































































هويت بحرك


شعر


جابر على شطا


قدر ومكتوب


قصص


محمد خيرت حماد


الخوف


قصص


أحمد ماضى


الكلام طالع بالغنا


شعر


سلطان البهوتي


المشى للخلف


قصص


فؤاد حجازي


أراك كظلى


شعر


سلطان البهوتى


مكلوم هدّه الشوق


شعر


عبد الناصر الجوهري


للنار أغنية أخيرة


شعر


عاطف الجندي


من القلب يا شجن


شعر


جمعة محمد سنجاب


نداء خرطومو


قصص للطلائع


فؤاد حجازي


اشتباك


شعر


جيهان سلام


السراية


رواية


محمد خيرت حماد


قمر سرى


شعر


أحمد الشرقاوى


زقاق عصفور


رواية


السعيد أحمد نجم


ماذا الآن أسميك ؟


شعر


عبد الناصر الجوهرى


غنا الشوارع


شعر


فتحى البريشى


من كلمات الرجل الميت


 


قصص


فكرى عمر


فى غفوة الطير


شعر


عزة العربى


العريشة


قصص


محمد خيرت حماد


وغابت الشمس


سيرة قرية


السعيد أحمد نجم


تهيؤات


شعر


أسامة درويش


دفء


قصص


د. فاطمة فوزى


فى الواق .. واق


مسرحية


عبد الناصر الجوهرى


جن مصور .. عفريت


قصص


أسامة درويش


فى ظلال الآخر


رواية


محمد خيرت حماد


البرستيج


رواية


محمد خيرت حماد


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


رقم الإيداع بدار الكتب


15585/ 2009


ترقيم دولي: I.S.B.N


979-977-374-486-3


 


 


دار الإسلام للطباعة والنشر


2266220 / 050


0122614363